المنبر الحر

المنبر الحر | مفهوم السياسة

بقلم: بنعيسى يوسفي                                                                                           

    السياسة من المفاهيم الشائكة التي يقف المرء حائرا ومترددا في إعطاء تعريف جامع مانع لها يشفي غليل الجميع، ذلك أنها مفهوم يحمل أكثر من دلالة وأكثر من قراءة وأكثر من تأويل، ومهما توخينا الدقة بهذا الخصوص، فلا مندوحة من السقوط في العموميات وفيما هو فضفاض، لكن بالرغم من كل هذه الصعوبات، كان من الضروري – من طرف العديد من المفكرين والفلاسفة – اجتراح تعاريف أو تعريفات لها تعطينا على الأقل تصورا واضحا حولها، وبعد الاطلاع على عدد لا يستهان به، سواء في الثقافة العربية أو الغربية، استقريت على  التفسير أو التعريف الذي أعطاه إياها المفكر المغربي محمد سبيلا في كتابه “السياسة بالسياسة”، وهو أن” السياسة هي جماع الكل الاجتماعي ومفتاحه وصندوق عجائبه، وشريانه الرئيسي الموزع”، ويربطها ارتباطا مباشرا بالحداثة في إطار منظومة متكاملة ومتناغمة فيما بين كل عناصرها ومكوناتها، وأي تخلي أو تهميش لعنصر من هذه العناصر، تفقد السياسة معناها وألقها، وهذه المكونات والعناصر تتمثل فيما يسميه هو بارتفاع المتعالي عن المتداني، والفصل بين السلط، وفي تقديس حقوق الإنسان، وانهيار منظومة التقليد، وتفكك القبلية والعلاقات الأبوية والقرابة الدموية، وانهيار أشكال الاستبداد السياسي، وإلى حلول الحوار والمناقشة وتوسيع التمثيلية السياسية والتداول السلمي للسلطة، وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان، وخلق آليات حقيقية لمقاومة التقاليد الشفوية المترسبة في اللاوعي الجمعي التي قد تقف حائلا أمام الفكر الحداثي الذي يعتبر الأرضية المناسبة لانتعاش السياسة وقيامها.

ولكي تؤدي السياسة أدوارها التي خلقت من أجلها في المجتمعات، لا بد – بالدرجة الأولى – من وجود آليات تضطلع بهذه المهمة وتسمى “آليات الاشتغال”، ويأتي على رأسها تبجيل وتهويل الحاضر، وإضفاء جاذبية وسحر عليه يسمح باستثماره إلى أقصى حد من أجل ترسيخ آليات وتقنيات التعبئة والخطابة والتنظيم والاستقطاب، تعتمد هذه الآلية السياسية على تكثيف الزمن في اللحظة الراهنة، وإضفاء طابع درامي عليها، ووصفها بأنها لحظة حاسمة ومنعطفا تاريخيا، من أجل تعبئة وحشد الجماهير على اصطناع عدو خارجي وإثارة نعرات جماعية أو إذكاء حس وطني أو تمثيل أوتوبي، وفي هذا الخضم، يمكن أن تظهر إلى الواقع أصناف كثيرة من السياسيين، لكن سنركز على الأصناف الثلاثة الرئيسية فيها، وهي: أصحاب العقائدية السياسية أو السياسيون الكبار الذين يعيشون من أجل المبادئ الكبرى، والمثل العليا، ثم فئة محترفي السياسة أو من يعيشون بها، وأخيرا الفئة الثالثة من المخادعين، الذين يرفعون الشعارات بيد ويمارسون الاختلاس بيد أخرى، وما أكثر هذا النوع للأسف، وكما لا يخفى، فإن السياسة تأخذ تجليات عديدة في علاقتها مع الواقع والأفراد، لعل أبرزها: تجلي السلطة، وهذه مسألة بديهية، حيث من الصعب أن نتحدث عن السياسة دون سلطة والعكس صحيح، فالعلاقة بينهما تكاد تكون جدلية، بل هناك من يعتبر بأن مدار السياسة هو السلطة وما تمثله من حظوة وامتياز، ولأن الأمر كذلك، فالمسألة لا بد أن تستند على استراتيجيات معينة، يمكن حصرها في ثلاث، أولا: استراتيجية الشراسة والقوة السافرة والعنف العاري من أي تجميل أو مساحيق، ثانيا: استراتيجية الكذب والخداع، وأخيرا استراتيجية الوهم والإيهام وتقديم الوعود والآمال، ويبقى السؤال الجوهري الذي لا بد من طرحه في هذا الصدد: لماذا هذه السلطة تغوي وتفتن، ما سر سحرها للناس حتى تجعلهم يتقاتلون ويتصارعون عليها؟ ويرجع المفكر المغربي محمد سبيلا، هذا التعطش وهذا الظمأ للسلطة، إلى شعور عميق بالدونية والنقص لدى الكائن البشري، وأيضا إلى الضعف الميتافيزيقي والأنطولوجي، والتي تناهي الوجود الإنساني ومآله الحتمي إلى الموت، وهو ما يعزز لديه الرغبة الجامحة في امتلاك وسائل القوة وأسباب السلطة. هذا فقط نموذج للإجابة على هذا السؤال، ومن دون شك، هناك إجابات أخرى تكمل هذه الإجابة أو تتجاوزها قليلا أو كثيرا، وإذا كانت السلطة هي أكبر تجلي – كما قلنا – للسياسة، فإن هناك أيضا بعض المحركات الضرورية لها والتي لا يمكن أن تستقيم أو تأخذ أشكالا منظمة، إلا بوجودها، وهنا تظهر ضرورة وجود أحزاب وهيئات سياسية أو مؤسسات سياسية عبر قنواتها يتم تصريف الخطاب السياسي أو الفعل السياسي، لكن سأتوقف هنا عند الحزبية، لأنها هي الكاشف عن الجذور اللاواعية لحاجة الفرد إلى الانتماء السياسي والانتساب الحزبي والانضمام إلى العقائدية الجماعية، هذا فضلا عن كون أن الحزب يعتبر  من التنظيمات العصرية من أجل التنافس السلمي على السلطة، والصراع الشرعي على الحكم، ومن المفترض، بالتالي، أن تمثل ركيزة أساسية للحياة السياسية العصرية، نظرا لكونها تحل مشكلتين: أولها مشكل التمثيلية، أي أنها تنهض بوظيفة تمثيل وتأطير وتعبئة الجماهير العريضة، وثانيها مشكلة تقاسم وتداول السلطة، بمعنى أنها تنظم احتكار السلطة بكيفية سلمية وبطرق مشروعة، وهنا نتحدث طبعا عن الأحزاب السياسية الحقيقية التي تتغذى على الفكر السياسي والتي تشتغل وفق الآليات الديمقراطية الحقيقية، وليس عن الأحزاب العربية أو الإسلامية التي تبدو وكأنها أطرا فارغة لممارسات لا عقلانية، يسيطر عليها شبح الزاوية، والشيخ والمريد.. وهكذا “تتحول القيادة السياسية إلى مجرد نسخ باهتة لأيقونة مومياء واحدة”.

تتمة المقال بعد الإعلان

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى