المنبر الحر

المنبر الحر | حتى لا تضيع ألعاب الطفولة الموروثة عبر الأجيال

بقلم: عثمان محمود

    تكاد اللقطة التي تصور الأطفال يلعبون داخل أفلامنا التي تصور أجواء البادية، تكون واحدة بأشكال مختلفة، ففي الغالب الأعم، لا تتجاوز تلك اللقطة ثواني معدودات، حينما يتوقف أولئك الأطفال فجأة بسبب زجر أو استدعاء مباغت، أو متابعة أطوار حدث طارئ، ومع ذاك التوقف ينتهي كل شيء، وبهذا لا تصل إلى المشاهد أدنى فكرة ولو بسيطة عن فحوى اللعبة أو بعض قوانينها، ومظاهر التنافس أثناء لعبها.

وللأسف البالغ، فإن هذا التقصير في التعريف بالألعاب التي لطالما لعبها الأطفال على مدار أجيال متعاقبة في قرانا ومداشرنا وأحيائنا ودروبنا، يتجاوز عالم السينما إلى واقع الحال، إذ الكثير منها طواه الزمان أو أوشك أن يطويه على الرغم من أنها كانت بهجة الصغار في أوقات بعينها من العام، ولمدة معلومة ومحدودة، من أجل فسح المجال أمام لعبة أخرى تجمعهم في فرح وسرور وفق قوانين محكمة، ومنافسة شريفة تستدعي الإقبال على لعبها بكل الجوارح، وبدون كلل ولا ملل، وهنا يطرح السؤال: ألم يكن من الأولى أن يتم الحفاظ على تلك الألعاب، بل والعمل على تطويرها، حتى تظل حاضرة في عالم صغارنا كإرث ينبغي التمسك به؟

أظن أن تحقيق هذه البغية ممكن إذا عملت الجمعيات التي تنشط في الترفيه عن الأطفال في دور الشباب، وتلك التي ترعى شؤونهم على الشواطئ، وفي الغابات، وعند ضفاف البحيرات والأنهار، خلال نهارات وليالي العطل الصيفية، حيث المخيمات والمنتزهات، فالمؤطرون هناك مدعوون إلى إحياء الألعاب المشار إليها بعد دراستها جيدا، وتكييفها مع تطلعات الأطفال وواقعهم والعمل على تحسينها، وبذل الجهود لتطويرها، والسعي إلى تلقيحها بألعاب أخرى مشابهة، عن طريق البحث والتقصي الجاد والمتفحص داخل القرى النائية، وفي ذاكرة المسنين نساء ورجالا، والمدرسة من جهتها يجب أن تعمل على أخذ المبادرة، فبدل أن يقضي التلاميذ والتلميذات أوقات الاستراحة في عبث لا طائل من ورائه، يلزم استغلال بعض الفترات منها للتعريف بلعبة من تلك الألعاب بشكل عملي قصد تشرب قوانينها المدروسة، وروح التنافس التي تطبعها، وبذلك تصير حاضرة وجاهزة في أذهانهم، ومتى ما أتيحت الفرصة السانحة مارسوها في ساحات الأحياء، وهكذا لا خشية بعد ذلك على ضياعها أو تلاشيها.

تتمة المقال بعد الإعلان

كما أن من واجب الكاميرا هي الأخرى أن تساهم في هذا المجهود الرامي إلى الحفاظ على موروث تناقلته الأجيال، سواء من خلال الأفلام الوثائقية المعرفة بجهات بلدنا العزيز، أو داخل المسلسلات والأشرطة التي تصور لقطات منها في أجواء البادية أو الأحياء الشعبية، أو من خلال البرامج الترفيهية التي ينشطها الأطفال بالدرجة الأولى، أما بالنسبة للمواسم والمهرجانات التي باتت القبائل على طول وعرض وطننا الغالي تحرص على إقامتها في أوقات معلومة، فتعد هي الأخرى مناسبة ملائمة لإحياء الكثير من تلك الألعاب، عن طريق توفير أماكن خاصة للعبها، وتحفيز لاعبيها، وتشجيعهم حتى يكون لها حضور دائم في كل موسم ومهرجان، والطموح لا يقف عند الحد، فإذا كانت تلك الألعاب التراثية – إن صح أن ننعتها بهذه الكلمة – تملك المؤهلات لأن تصبح لعبة إلكترونية، فلماذا لا تتكثف جهود مبدعينا في هذا الباب للعبور بها من بوابة العالم الرقمي الواسعة، حتى يكون لها حضور في أوقات أطفالنا الفارغة بدل الخضوع للألعاب الوافدة من وراء البحار، محملة بقيم قد لا تكون منسجمة مع قيمنا النبيلة، وما يحمل ذلك من خطورة على سلوكهم وأخلاقهم.

على وزارة التربية، وكذا وزارة الثقافة، الالتفات العملي إلى هذا الموروث اللامادي قبل أن تطاله يد الاندثار، وذلك من خلال إنجاز دراسات ميدانية تبحث في مقومات تلك الألعاب الطفولية، وتتلقف أثارها في أماكنها لأجل التقاط تفاصيلها شفهيا وعمليا، ومن تم الانعكاف على ترميمها، والدفع بها إلى ساحة التطبيق الفعلي قبل تعميمها بين الأطفال، مع الحرص على أن تبقى حاضرة جيلا بعد جيل.

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى