المنبر الحر

المنبر الحر | العلوم الإنسانية في مواجهة الإرهاب

بقلم: ذ. محمد جباري

    قد لا نبالغ إذا اعتبرنا أن ظاهرة الإرهاب باتت اليوم “الفزاعة” التي تقض مضجع المجتمع الدولي، وتشغل بال زعمائه حول كيفية القضاء على التنظيمات المتطرفة، حيث يلاحظ أن مشكلة الإرهاب والتطرف ما تزال تستأثر باجتماعات واستراتيجيات وخطابات الدول منذ أحداث الحادي عشر من شهر شتنبر 2001، ما يعني أن الإرهاب كفكر نظري وكممارسة وفعل ميداني مقيت، يمثل مصدر قلق، بل وخوف يستملك السياسة الدولية برمتها.

وإذا كانت جميع الدول، على اختلاف مواقعها وأديانها، قد تكتلت فيما بينها وأجمعت في خطاب دولي موحد، على ضرورة محاربة الإرهاب، وتنسيق السياسات وتقاسم الخبرات والمعلومات لأجل نفس الهدف، وتنوعت تحليلات ودراسات الخبراء والمختصين، وسخرت كل الجهود والمقاربات، كالمقاربة الأمنية والمقاربة الدينية التي حققت نتائج ملموسة، فإن ذلك كله لم يفلح في استئصال الفكر الإرهابي من جذوره، فما إن ينهزم التنظيم الإرهابي في منطقة معينة وتحت اسم معين، حتى يطل علينا من منطقة أخرى وتحت مسمى جديد، ليستأنف نشاطه واستقطابه للشباب على وجه الخصوص. فبعد القضاء على “القاعدة” في أفغانستان، لم يلبث النشاط الإرهابي هنيهة حتى انبثق “داعش” في العراق، الذي هزت عملياته الإرهابية دولا عديدة وأزهقت أرواحا بريئة، وشنت ضده حروب مضادة بعضها محلي وأخرى في صيغة تحالف دولي، ومع ذلك، تبقى مسألة تخلص العالم من هذا العدو المشترك غير محسومة.

فلا يمكن اجتثاث الإرهاب بمحاربة المنظمات الإرهابية الموجودة عن طريق الأسلوب العسكري وحده، لأن المسألة لا تتعلق بمواجهة تقليدية بين دولتين سرعان ما تخمد أوارها بانهزام إحداهما كما في جميع الحروب السابقة، بل إن الأمر يتعلق بظاهرة ككل الظواهر الاجتماعية، يتداخل فيها الديني والسياسي والاجتماعي والثقافي بالإديولوجي، لذلك، لا مناص من تشريح دقيق لهذه الظاهرة من أجل فهمها أولا، والإحاطة بأسبابها وميكانيزماتها ثانيا، ثم بحث سبل معالجتها ثالثا، ودون هذه المنهجية، لا يمكن بأي حال من الأحوال، القضاء على الفكر الإرهابي من منابعه، من خلال الضربات العسكرية التي تبقى في أفضل الأحوال عبارة عن “مسكنات” مؤقتة ضد هذا المرض العضال.

تتمة المقال بعد الإعلان

لعل خطورة الظاهرة الإرهابية تكمن في كونها عابرة للقارات والألسن والقوميات والأديان، ما يجعل ضبط المجال الجغرافي الذي ينشط فيه هذا “الفيروس” مسألة معقدة، وطبعا، تعتبر الحروب وفراغ السلطة، أحد البيئات الحاضنة والمساعدة على ميلاد وتناسل الإرهاب، بيد أن ذلك لا يعني أن المناطق المستقرة مدعوة إلى الاطمئنان على حالها، ذلك أن من بين الخصائص المميزة للفكر الإرهابي، كونه يتشكل وينمو في صمت، ومن تم تكون بين الحين والآخر تدخلات أمنية تنتهي بتفكيك خلايا إرهابية في بعض المناطق البعيدة عن الفوضى والنزاعات الدامية.

إذا كانت جل التحليلات والآراء تميل إلى اعتبار العاملين: الديني المتطرف والمتعصب، والعامل الاجتماعي المتسم بالهشاشة، من أبرز المسببات والمحفزات لانتشار الظاهرة الإرهابية، فإننا نلفت النظر إلى عامل آخر لا يقل أهمية عن سابقيه إن لم نقل أهمها وأبلغها تأثيرا، ويتعلق الأمر بالتكوين الفكري للشخص ودوره في درء خطابات التطرف والكراهية، حيث أن استعداد وإقبال الفرد على اعتناق الفكر الإرهابي يرتهن بمدى متانة تكوينه الفكري من عدمه، لكن، ما المقصود بالتكوين الفكري؟ هل هو التعليم والدراسة اللذين يتلقاهما المتعلم في المدرسة والطالب في الجامعة، أم الأمر غير ذلك؟ ثم هل جميع العلوم والمعارف قادرة على المساهمة في مكافحة التطرف، أم ثمة علوم محددة؟ وإذا كان الحال كذلك، فما هي العلوم المؤهلة للعب هذا الدور؟

إن تدريس الفلسفة كفرع من العلوم الإنسانية، يمكن الدارس من اكتساب جملة من المهارات الفكرية والعقلية، أهمها: الفكر النقدي، الذي لا يقبل الجاهز والمعطى من الأفكار والأحكام المسبقة والارتكان إلى المواقف، بل يخضعها للمساءلة النقدية والتحليل قبل التسليم والإقرار بها، مما يؤدي إلى تحرير الفكر من الدوغمائية الضيقة إلى الانفتاح على الآخر والتحاور معه على أساس قيم الحق والعدالة والتسامح، ومن التبعية الفكرية إلى الاستقلالية في اتخاذ المواقف والاختيارات والقرارات، وهذا يمضي بالشخص لأن يكون فاعلا لا مفعولا به، ومن الذاتية المنغلقة الإقصائية إلى إقامة علاقة مع هذا الغير للتبادل والتحاور والمشاركة، ومن الاندفاع العاطفي والانفعالي والعنف إلى التحكم الواعي الموجه بالقيم الإنسانية الكونية… إلخ.

ولعل الوظائف التي يلعبها التاريخ في المجتمع لا تقل شأنا عما ذكرناه حيال الفلسفة، فالمعلوم أن التاريخ يساهم بشكل كبير في تكوين الوعي النقدي، وبناء إنسان قادر على فهم مجتمعه المحلي الذي ينتمي إليه، وكذلك مشاكل ومتغيرات العالم المعاصر من حوله، مما يساعد على تشكيل ذاكرة جماعية تستوعب المحلي والجهوي والعالمي، وهكذا تحصل لدى الشخص نظرة أوسع وأشمل للعالم وأكثر انفتاحا على آفاق متعددة قد لا تبدو للفرد المنحصر الفكر والأفق، ناهيك أن التاريخ، كزميلته الفلسفة، يعمل على تربية وتنمية الحس النقدي – القائم على تعزيز مكانة الملاحظة والسؤال والشك المنهجي النازع نحو البحث عن الحقيقة – تجاه الواقع والمحيط، وتكوين الرأي والمواقف والاتجاهات والسلوكيات المتأتية من خلفيات فكرية متنوعة المشارب، وتجارب تاريخية متعددة، وهذا بطبيعة الحال، يكسب المرء حسا نقديا وتاريخيا في قراءة الأحداث والقضايا والخطابات، ومن تم القدرة على تحليل المشكلات والوضعيات والحكم عليها، مع احترام الاختلافات باعتبارها غنى وتنوعا ثقافيا وحضاريا إيجابيا، علاوة على دور التاريخ في ترسيخ قيم الهوية الوطنية والحضارية والمواطنة الإيجابية المسؤولة.

تتمة المقال بعد الإعلان

إن العلوم الإنسانية من هذا المنظور، تمثل حاجة استراتيجية في المجتمع، فمن خلالها نستطيع استئصال التطرف من أصوله وتجفيف منابعه، تجسيدا لمبدأ “القضاء على المسببات بدل علاج النتائج”، حيث تسمح، هذه العلوم، بإعداد “مناعة فكرية” قوية ضد الخطابات والمحاولات الحاملة لفيروس التطرف، الذي يهدد المجتمع (الدولة أو الأمة) في أمنه القومي واستقراره السياسي وسمعته الدولية، ثم في سلامة وطمأنينة أفراده، لذلك، ندعو إلى إعادة الاعتبار للعلوم الإنسانية والاهتمام بها وتخويلها المكانة التي تستحقها كصمام أمان للمجتمع، للحيلولة دون انحرافات الفكر وانزلاقاته في أحضان أعداء الدين والإنسانية.

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى