بين السطور

بين السطور | موضة جديدة للاقتطاعات الضريبية

بقلم: الطيب العلوي

    بينما كان أحد الحكام العرب في مكتبه مستغرقا في التفكير، دخل عليه أحد مستشاريه فسأله عما يشغل باله، فأجابه الحاكم: “أريد فرض ضريبة على السكر بقيمة 10%، فالسكر سلعة لا يستغني عنها الناس، والرفع من ضريبتها قد يدرّ دخلا موفوراً على خزينتنا، لكني أفكر كيف سيستقبل الناس هذا القرار”، فقال له المستشار: “دع الأمر لي”، وسرعان ما جمع المستشار أعوانه وطلب منهم بث إشاعة في الأسواق تقر بأن الحاكم ينوي فرض ضريبة قدرها 50 % على كل من السكر والزيت والقمح والتمر واللحم والشعير، قصد دعم ميزانية الدولة المتهالكة.. فهاج الناس وماجوا بعد تلقي الخبر، حتى سأل الحاكم مستشاره: “ما الذي فعلته أيها الأحمق؟”، فأجابه المستشار: “انتظر أسبوعا وسترى”.

وفي الأسبوع الموالي، طلب المستشار من أعوانه نشر إشاعة تؤكد الإشاعة الأولى مع إضافة أن مستشاري الحاكم هم من أشاروا عليه بهذا الأمر، وأن مولانا يقلّب الأمور ولم يتخذ قراره بعد.. فصار الناس يقولون: “ليت مولانا يكون بنا رحيما، لو كانت الضريبة 10 % أو حتى 15 %، ولو كانت على السكر وحده لهان الأمر”، وقتها قال المستشار للحاكم: “أما الآن، فدعني أصوغ القرار باسمك”.

فكتب المستشار القرار الرسمي التالي: “تلبية لرغبات شعبنا الكريم، ونزولا عند رأيهم، فقد قررنا عدم الإنصات لمستشاري السوء الذين سعوا إلى إثقال كواهل المواطنين بالضرائب الكثيرة، واكتفينا بفرض ضريبة بسيطة بمقدار 12 % على مادة السكّر فقط”.. وهكذا تقبل الناس الأمر زيادة على دعواتهم للحاكم بالصحة وطول العمر، لأنه هو الذي يراعي قدرات شعبه ولا يثقل كواهلهم بالضرائب الفاحشة.

كان هذا في بلاد المشرق، أما في بلاد المغرب، وبعد أن فهم المواطن أن الضرائب صارت تُضرَب وتُرفع، وتُقتطَع تلقائيا من الحسابات البنكية للمواطنين من طرف المكلفين بالأمر(…) دون استشارة ولا إبلاغ(…)، بدأ يشتكي مؤخرا عدد من الموظفين، خصوصا في القطاع البنكي، من “موضة” جديدة، تتجلى في مفاجآت تلقوها بعد أن باعت لهم بنوكهم، وعلى رأسها البنك الذي يوحي اسمه بانتمائه للشعب(…)، خدمات تأمينية، والتي بعد ما يسمى لديهم بالتدقيق الضريبي(…)، تلقى موظفو البنك والعاملون بتمثيلياته الجهوية، إشعارات بالأداء تتخطى سوماتها الخيال(…)، إذ فاقت لدى بعضهم العشرين مليون سنتيم، تخص ضرائب الدخل الخاضعة للإنهاء المبكر لعقود مدخرات التقاعد، هؤلاء الموظفين نفسهم هم الذين يخضعون عمليا للاقتطاعات الضريبية من المصدر، والذين تتجاهل مديريات الموارد البشرية شكاويهم، تاركين إياهم وجها لوجه مع السلطات الضريبية.

تتمة المقال بعد الإعلان

فكما لهذا النوع من الأبناك من يجيد ويتقن الدفاع عنه لما “يخرمز” أحد مستخدميه، كما حصل في وقت سابق لما قضت غرفة الجنايات بإدانة مدير وكالة بنكية بثمان سنوات سجنا، وبخمس سنوات في حق مساعده في قضية ترتبط بتبديد واختلاس أموال عمومية ومنح قروض بدون ضمانات، وإذا كانت الحكاية التقديمية لهذا المقال قد وقعت في زمن الأسواق والخيام، فما يشتكي منه هؤلاء الموظفون في هذا الزمن، جاء في زمن الرقمنة وناطحات السحاب(…)، وفي وقت لا حاجة فيه للمستشارين بإشادة الشعب بملكهم، ومن تم، فإن تدخلا على أعلى مستوى للحد من هذه الضربات التي يتعرض لها عباد الله من لدن هذا النوع الجديد من “الاستراتيجيات”، الجامعة بين عصا السلطات الضريبية ومآزق شركات التأمين، بات أمرا حتميا لا بد منه، قبل انتشار هذه الظاهرة الهالكة لجيوب الناس.

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى