بين السطور

بين السطور | درس المونديال الذي لم يتكلم عنه أحد

بقلم: الطيب العلوي

    بعد المسار المثالي والإنجاز التاريخي الغير مسبوق عربيا وإفريقيا، الذي حققه المنتخب المغربي في مونديال قطر، والذي حتى لو لم يخطف به الكأس، فإنه خطف أنظار وقلوب الجميع(…)، حتى الذين لم يكونوا يسمعون بالمغرب من قبل.. وبعد أن لقن به لبقية المنتخبات العربية والإفريقية درسا في الشجاعة، حتى يدخلوا البطولات العالمية المقبلة دون خوف ولا رهبة كيفما كان الخصم.. درس مجاني يمكن لأي واحد منا أن يستفيد منه في حياته اليومية بناء على ما اعتمد عليه الفريق الوطني من إيمان ومثابرة وعزيمة ونية قوية.

أما في ما يخص دروس هذا المونديال بصفة عامة، ونجاح التجربة القطرية رغم بعض محاولات المقاطعة القادمة من الغرب، فهي الأخرى كثيرة ومتنوعة، من التخطيط السليم كأساس للنجاح والعمل الجاد الذي يأتي بثماره، وأهمية تقبل الاختلاف(…)، والاعتزاز بالهوية، وأهمية العمل الجماعي، والتحمل والصبر الذي يقلب الموازين(…)، والندرة التي قد تتناسب طرديا مع القيمة، واللائحة طويلة لن أطيل عليكم بها، لكن هناك درس واحد لم ينتبه له الكثيرون..

فإذا عدنا للمباراة التي جمعت المنتخب الوطني المغربي بنظيره البرتغالي، ونجمه كريستيانو رونالدو، الذي كان حضوره على أرضية الملاعب يزعزع النفوس(…)، ولعبه قبل أشهر فقط يبهر العالم ومعهم المغاربة(…)، وكان يوحد تركيزهم نحو التلفاز في المقاهي والبيوت، ها قد أحيانا الله حتى رأينا كاميرات العالم ترصده وهو يودع كأس العالم على يد المغاربة.. يغادر الملعب سريعا عبر النفق إلى غرفة تبديل الملابس وقد أجهش بالبكاء تحت هسهسة وصياح وغناء أولاد أحياء أنفا ودرب السلطان، وأولاد حي السويسي والعكاري.. وجميعهم كان رونالدو يبهرهم فيما قبل، وخروجه من الملعب لم يكن كباقي الهزائم العادية التي تعرفها مباريات كرة القدم، بل هو خروج يتمثل في آخر كأس للعالم يشارك فيها المهاجم البرتغالي بعد أن بلغ 37 سنة من عمره، مع هزيمة أمام المغاربة، تبددت له فيها فرصة كتابة التاريخ في المونديال.. التاريخ نفسه الذي حضر له مشهد النهاية بعد أن بين له أنه لم يعد أساسيا، بل كان على دكة البدلاء، ولم يدخل المباراة إلا في الشوط الثاني.

إنه فعلا درس من المونديال لكل واحد منّا، وضعية ذكرتني بالمقال الشهير الذي سبق أن كتبه مؤسس جريدتنا مصطفى العلوي رحمه الله، ضمن عمود “الحقيقة الضائعة”، تحت عنوان: “رسالة إلى الوزير المغبون”، في وجه الوزير القوي في ذلك الوقت، الراحل إدريس البصري، قال فيه: ((أيها الوزير المغبون.. إنك تعرف أن لكل شيء نهاية، وإن كل من صعد لا بد أن ينزل، وإن الصعود العالي.. إنما يجعل عورات الصاعد لفوق، تنكشف للذين لا زالوا تحت.. وانظر إلى القردة.. رأينا الإمبراطوريات العالية تتهاوى كقصور الورق، ومن قبل، رأينا الوزير المقري، وكان يسمى الصدر الأعظم، صحيحا وعمره مائة سنة، حتى قالت الأساطير أن عائلته كانت تعصر له كل يوم جثة غزال، يشرب مرقها كل يوم إلى أن بقي متينا قويا صدرا أعظم.. اجتاز من المراحل والأزمات العالمية والداخلية ما جعله يعايش أكثر من أربعة سلاطين، وهذا هو المجد.. إلى أن جاءت الحكومة الجديدة، وأصدر رئيسها أمرا بتغيير قفل مكتبه، لأنه هو أيضا رفض قرار توقيفه، فجاء وأدخل المفتاح، وعندما لم يفتح المفتاح، فهم الرجل العجوز، وذهب إلى بيته، ومات، لأن روحه كانت مرتبطة بمنصبه، وكثير منهم كذلك…)) (الأسبوع الصحفي، عدد 31 يوليوز 1998).

تتمة المقال بعد الإعلان

من صعد لا بد أن ينزل.. إنه دوران الزمن، ودرس آخر ذكرنا به هذا المونديال.

((لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ)) صدق الله العظيم.

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى