المنبر الحر

المنبر الحر | المنظومة الصحية بالمغرب.. عوائق وبدائل

بقلم: ذ. الحسن العبد

    يعرف الطب من قبل المختصين بأنه المجال الذي يهتم بالصحة والشفاء، ويشمل العلاج والوقاية من الأمراض، والبحوث الطبية… وقد استمر تطور الطب من عصور ما قبل التاريخ والعصور القديمة حتى القرن 21، وحسب تعريف منظمة الصحة العالمية، فالصحة هي حالة من المعافاة البدنية والعقلية والاجتماعية التامة، ويشمل الصحة النفسية أيضا.

ويؤكد جل المهتمين بالميدان الصحي، أن أبقراط هو أبو الطب الحديث (القرن الخامس قبل الميلاد)، حيث فصل الارتباط بين الطب والمعتقدات الدينية، والماورائية، ويربط بينه وبين النظافة الشخصية والبيئية، وهكذا ربط أبقراط بين الطب وعدد من الإجراءات السلوكية والعملية، وسيتم التخلص تدريجيا وعبر مراحل من تلك المعتقدات الباطلة التي ارتبطت في البداية بأعمال السحر والشعوذة، وذلك في العصور القديمة والمجتمعات البدائية، حيث مارسها الكهنة والسحرة، وهكذا مع الثورة الصناعية في أوروبا سيقوم الطب على مناهج علمية متخصصة.

وإذا كان الطب قد مر من عدة مراحل عبر التاريخ مع الحضارات القديمة، وبالأخص لدى المصريين والآسيويين والرومان، والعصور الوسطى إلى غاية العصر الحديث، فقد كان كذلك جزء أساسيا من الثقافة الإسلامية في العصور الوسطى، أو ما يسمى بالعصر الذهبي الإسلامي، وتمت الاستفادة من المعرفة التي تركها الأطباء والعلماء اليونانيون والرومان وراءهم، حسب الدارسين والمؤرخين، وسيعمل الغربيون بذلك على ترجمة الكثير من كتب الطب الإسلامية، كـ”موسوعة الطب” لابن سينا و”أعمال الرازي” وابن النفيس وغيرهم من العلماء والأطباء المسلمين، وبالأخص الطب النبوي.. أليس الرسول صلى الله عليه وسلم هو طبيب القلوب؟ بلى والله.

تتمة المقال بعد الإعلان

لقد تطوّر الطب بشكل كبير في العصور الحالية، وخاصة بعد الاختراعات التي شهد العالم معها تطورا في كافة المجالات، ويذهب كل الدارسين إلى القول بأن بعض الاكتشافات والاختراعات، كالكهرباء، ساعدت على تطوير جودة الطب واختراع العديد من الأجهزة التي ساعدت بشكل كبير في تشخيص الأمراض وعلاجها أيضا، حتى أصبحت العديد من العمليات الجراحية في العصر الحالي والتي كانت تعتبر في القديم أشبه بالمستحيلة أو مستعصية، سهلة المنال وفي المتناول.

ونحن كمغاربة، من حقنا طرح السؤال التالي لمعرفة فضل الأجداد في تقدم العلوم عموما والطب خصوصا: هل كانت هناك فعلا خدمات صحية قدمها الأسلاف للإنسانية في الصيدلة والتشريح وعلاج الأوبئة وكل المجالات الطبية؟

كل بطون كتب المؤرخين العرب والمستشرقين على السواء، تؤكد بأن الغرب الإسلامي الذي كان المغرب الأقصى قلبه النابض منذ وصول طلائع الفتح إلى الشمال الإفريقي، ظل المركز الوحيد الذي ينتج في مختلف مجالات العلوم، أما في الطب، فقد أنجبت بلادنا ابن زهر الذي يعده المؤرخون من العظماء، بل يؤكدون بأن من مظاهر المساهمة النظرية للمغاربة في تطوير الطب إدخالهم لنظام الشورى بين الأطباء في علاج المرضى، وكان أبو الوليد ابن رشد أول من قَعّد لهذا النظام في كتابه “الكليات”، وتدلنا مراجعة أبي بكر ابن زهر لوالده في تركيبة دواء قدمها للخليفة عبد المومن بن علي الموحدي، وعدول الوالد الذي يعد من أعمدة الطب في عصره، عن رأيه إلى رأي ابنه، على أن الشورى في العلاج كانت ممارسة شائعة قبل أن يضمنها أبو الوليد في كتاباته، وزيادة على ذلك، فقد أبدع المغاربة في تخليص الطب من السفسطة على قدر إبداعهم في ربطه بآليات المنهج التجريبي، وهذا ملاحظ في دعوة ابن رشد إلى ضرورة الاعتماد على المشاهدة والتجربة في صنعة الطب وملاحظ كذلك في اعتماد ابن زهر على جس النبض والنظر إلى قوارير البول كمقدمة لبناء الفرضيات حول أصل علة المريض، مما سيفتح الباب على مصراعيه أمام تطور علوم الطب وتشعبها وظهور التخصصات وازدهار الصيدلة وصناعة الدواء وارتقاء الطب من الممارسة العشوائية إلى الممارسة العلمية المنضبطة بالقوانين التي أفرزها التراكم التجريبي، هذا غيض من فيض، لكن ماذا عن الوضعية الصحية بالمغرب في الوقت الحالي؟

الكل يتحدث عن أزمة المنظومة الصحية في المغرب، خصوصا بعدما راكمت العديد من الاختلالات في السنوات الماضية، الشيء الذي جعل هذا القطاع الحيوي لا يستجيب بشكل جيد لحق المغاربة في الصحة بشكل يشفي الغليل، ورغم تحسن الوضع مازالت تعاني المنظومة الصحية بالمملكة من عدة إكراهات، مما يتطلب إصلاحا شاملا وجذريا، ونحن من هذا المنبر، نحيي كل الطاقم الطبي المغربي على الخدمات الجليلة والجبارة التي يسدونها بإنسانية كبرى لكل المرضى والمصابين.

تتمة المقال بعد الإعلان

يتفق الجميع على أن القطاع الصحي ببلادنا يعرف إشكاليات وإكراهات، ترتبط بضعف البنيات التحتية الاستشفائية وغياب العدالة المجالية في توزيعها، إلى جانب ضعف التجهيزات الضرورية لضمان جودة الخدمات الطبية، كما يرى البعض، لكن ربما فتح المجال أمام المؤسسات الصحية العالمية للعمل والاستثمار في القطاع الصحي بالمملكة كما أعلن عن ذلك وزير المالية في الحكومة السابقة، وكذا فتح مهنة مزاولة الطب أمام الخبرات والكفاءات الأجنبية قد يخففان من حدة الوضعية الصحية ببلادنا.

ويبقى الأمل الكبير متعلقا بإنجاح الورش الضخم المتعلق بتعميم الحماية الاجتماعية، ونتمنى كذلك الرفع من مستوى الخدمات الاستشفائية والمساهمة في تدبير عصري للموارد المالية والبشرية والتكنولوجية كما سبق أن وعدنا بذلك بعض المسؤولين عن القطاع الصحي، وذلك لوضع أسس إصلاح حقيقي للمنظومة الصحية الوطنية.

واليوم، وجب على الحكومة تهيئة الظروف المناسبة التي تتيح لكل فرد إمكانية التمتع بأكبر مستوى ممكن من الصحة، وكذا العناية الفائقة بشغيلة الميدان الصحي قلبا وقالبا، ماديا ومعنويا، لوقف نزيف هجرة الكفاءات العلمية المغربية صوب الغرب، وقديما قيل: “لا تسكنن بلدا لا يكون فيه عالم يفتيك عن دينك، ولا طبيب ينبئك عن أمر بدنك”.

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى