المنبر الحر

المنبر الحر | حتى يؤدي خطيب صلاة الجمعة رسالته النبيلة

بقلم: عثمان محمود

    حقا.. إن كل المتطلبات مهيأة أمام خطيب صلاة الجمعة لتأدية واجبه، وإيصال رسالته، فالوقت لإلقائها محدد، وجموع الحاضرين جلوس في نظام وانتظام، فلا همس ولا حركة إرادية غايتها اللهو والعبث، ولا تعليق ولا تعقيب مباشر على ما يقوله، والأسماع والقلوب مفتحة لتلقي مضامين الخطبة في أجواء قدسية تتوالى على مدار أسابيع السنة، أضف إلى ذلك، أن النهر الذي يغرف منه مواضيعه جار بلا توقف، فالأحداث الاجتماعية التي تتطلب المعالجة من المنظور الديني الهادف إلى التوعية والتوجيه والإرشاد، متعددة ومتنوعة، وقس عليها القضايا البيئية، والمشاكل الصحية، والشؤون التربوية والتعليمية، فضلا عما توفره المناسبات الدينية والوطنية والعالمية من أجواء مواتية للتطرق لبعض الأمور في هذا الباب، قصد التنوير والتحسيس على ضوء نبراس الدين الحنيف، وهدي الكتاب الكريم والسنة العطرة.. كل هذا وغيره يؤكد بما لا يحتاج إلى الجدال، أن المنابر داخل مساجدنا تتطلع على الدوام إلى من تتوفر فيهم الأهلية في أعلى مستوياتها، لا من الناحية الشرعية، وحفظ كتاب الله، والإلمام العام بأحاديث سيد الخلق فحسب، وإنما أكثر من هذا، الإحاطة بفن الخطابة من أجل الوصول إلى قلوب المصلين والمصليات المختلفة مستوياتهم الثقافية، والمتباينة درجات استيعابهم لما تلتقطه أسماعهم، إلى جانب ذلك، التطويع المرن للغة العربية الفصيحة لتبليغ المضامين بدون توظيف مقصود للغريب من المفردات، أو إقحام متعمد للمفردات الهجينة التي لا تليق بالمقام، ولا تشرف الجالسين والجالسات في خشوع طلبا للتواب والأجر، وليعلم خطباؤنا الأجلاء، أن خطبة الجمعة وما يمت إليها بصلة من مواعظ في الأوقات التي تستدعي ذلك، تبقى الحضن الأول الدافئ للغة العربية الفصيحة التي باتت تتلقى الضربات الموجعة في زمان الرسائل النصية ذات اللغة الشوهاء، وكثافة منصات التواصل الاجتماعي، الذي يولي الأهمية للمضمون على حساب الوسيلة التي توصله، والشكل الذي يأتي عليه، أما فيما يخص المواضيع التي تتناولها خطب الجمعة، فالأمر يتطلب الحرص الشديد على تتبع ما يحدث في المحيط القريب، ولم لا البعيد؟ فيكفي الخطيب أن يحيط بخلفيات ما يطرأ من أحداث من جميع الجوانب، قصد حسن استثمارها أثناء معالجة موضوع الخطبة، واستخلاص ما يمكن استخلاصه لبلوغ درجة معينة من التنوير الذي يشهد على أن تلك الخطبة أبلغت رسالتها الأسبوعية على أحسن وجه، وبهذا يتضح لنا أن خطيب الجمعة، بحكم الدور المهم الذي يقوم به أسبوعيا، هو في حاجة أكيدة إلى التكوين المتواصل، سواء منه الذاتي أو الذي تشرف عليه وزارة الأوقاف، على ألا يكون عابرا، أو يتم بشكل فج وسطحي، لأن هذا من شأنه أن يبقي على الخطيب في مستوى ثابت، حيث يغيب عنه حينها حس التجديد والإبداع أثناء تناول القضايا أمام صفوف أولئك الذين تهافتوا على الحضور إلى المسجد. فالعيب كل العيب أن تعج ساحة الأحداث الاجتماعية وما إليها بالمواضيع التي تستحق المعالجة الآنية، ويعمد بعض الخطباء بدل ذلك إلى اجترار خطب سبق لهم أن ألقوها، أو يعمدون إلى نسخها من كتب بعينها، أو سرد الأحداث كما جاءت في المنابر الإعلامية أو على صفحات منصات التواصل الاجتماعي، دون تمحيص دقيق، وحرص شديد على استغلالها الاستغلال الأمثل في التوجيه الديني، والإرشاد التربوي التنويري.

إن خطبة الجمعة ذات رسالة نبيلة تستدعي خطباء مؤهلين لغويا وشرعيا وثقافيا، وعلى دراية عملية تطبيقية بفن الخطابة، فلا يكفي الخطيب أن يقرأ أمام الجمع الحاضر ما كتبه وعززه بما ينبغي تعزيزه بشواهد مناسبة من الكتاب والسنة، وإنما يلزمه إيصاله وفق ما تتميز به خطبة الجمعة الناجحة.. فهلا تعهدت الوزارة الوصية الخطباء، وسارعت إلى إعداد خلف مؤهل لمواكبة روح العصر وما تتخلله من أحداث ووقائع تستدعي المعالجة خطابيا على منابر المساجد كل يوم جمعة ؟       

تتمة المقال بعد الإعلان

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى