المنبر الحر

المنبر الحر | نَحْن إلى قليل من الأدب أحوجُ منا إلى كثير من العلم

بقلم: ذ. الحسن العبد

    وأنا أتصفح كالمعتاد بعض مواقع التربية والتعليم ببلادنا، للاطلاع على المستجدات التربوية، أثارت انتباهي بعض الشكايات، أو إن صح التعبير “آهات” الشغيلة التعليمية، بالقطاعين العمومي والخصوصي، والتي تنبعث من الأعماق، وتتعلق أساسا بـ”قلة أدب” بعض التلاميذ من فلذات أكبادنا، وكثرة الشغب بداخل فصول الدراسة “يا حسرة”، وهذه لعمري حقيقة مرة لا ينكرها إلا جاهل، ومن حقنا كأولياء التلاميذ، ومعنا كل الأساتذة المربين، أن نتساءل، من المسؤول الأول والأساسي عن هذا السلوك غير المعتاد، والذي استفحل في السنين الأخيرة مع المعلمين والمعلمات، بداخل الأقسام الدراسية؟ أليست الأسرة، على اعتبار أنها الرحم الأول للتربية وتلقين الأدب للناشئة قبل المدرسة والمجتمع؟ بلى والله، ألا يمكن اعتبار هذا النزيف من التقاعدات النسبية لرجالات ونساء التعليم بسبب المعاناة داخل المؤسسات التعليمية أثناء مزاولة العمل، والأصل فيها الشغب وقلة الأدب، كسبب رئيسي من باقي الأسباب الأخرى؟

في معجم “لسان العرب” لابن منظور، تجد تعريفا للأسرة: “أسرة الرجل: عشيرتُه ورهطُهُ الأدْنَوْنَ، لأنه يتقوى بهم، والأسرة عشيرة الرجل وأهل بيته”، وقد جاء في كتاب الله عز وجل، ذِكْرُ الأزواج والبنين والحفدة، بمعنى الأسرة، قال تعالى: ((والله جَعَلَ لَكُم من أَنفُسِكُم أَزوَاجاً وَجَعَلَ لَكُم مِن أَزَوَاجِكُم بَنِين َوَحَفَدَة…)) (سورة النحل، الآية 72).

إن دور الأبوين، أي الأسرة، في التربية بالبيوت، سابق على التعليم والتعلم في المدارس، ونحن بذلك، في الدرجة الأولى، في حاجة إلى الأدب والأخلاق قبل العلم، وما أجمل مقولة عمر بن عبد العزيز: “الصلاح من الله والأدب من الآباء”، ولقد كان لنا في بعض الآباء والأمهات خير مثال على دور الأبوين في تربية الناشئة، وكمثال على ذلك، تجد عالية بنت شريك الأزدية‎، التي لعبت، وفقا لما جاء في “سير أعلام النبلاء” للذهبي، دورا محوريا في توجيه ابنها، الإمام مالك بن أنس، ونصحه وتوجيهه إلى مسار العلماء ونهجهم منذ صغره، فـ((عن ابن أبي أويس قال: سمعت خالي مالك بن أنس يقول: “كانت أمي تلبسني الثياب، وتعممني وأنا صبي، وتوجهني إلى ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وتقول: يا بني، ائت مجلس ربيعة، فتعلم من سمته وأدبه قبل أن تتعلم من حديثه وفقهه))، وفقا لما جاء في “من روائع وصايا الآباء للأبناء” لوائل حافظ خلف.

تتمة المقال بعد الإعلان

إن كلا من الزوجين، حسب التربويين، يعتبران عماد الأسرة وأساس صلاحها وقوتها، كما أن لهما التأثير الأول والأهم على الأبناء منذ الصغر، وذلك لأن الطفل أشد ما يكون ملازمة لوالديه، فيتخلق بأخلاقهم ويأخذ من طباعهم جزء كبيرا، فالزوجان معا مطالبان بتقديم النصائح والتوجيهات لأبنائهم وبناتهم قبل إرسالهم إلى المؤسسات التعليمية، وبالأخص التخلق بالآداب العامة التي يتطلبها الفصل وأماكن العلم كلها، وتبقى الأسرة هي القدوة الأولى للطفل، فلنأدب أبناءنا وبناتنا أولا ليتعلموا بأدب، وقد جاءت الأخبار عن علماء المسلمين رحمهم الله، تؤكد على ضرورة تعلم الأدب قبل العلم، وتقديم التأدب على التعلم، وفي هذا الصدد، يقول الأستاذ التربوي عبد العزيز الخضراء: “الأسرة هي الوحدة الاجتماعية الأساسية والبيئة الأولى التي ترعى الفرد، فهي تشتمل على أقوى المؤثرات التي تُوجه نمو طفولته.. والبيئة المنزلية الجيدة التي يتوافر فيها الاهتمام بالشأن الثقافي في بداية حياة الفرد، لها الدور الأعظم في النمو الجسمي والنفسي والعقلي، وإن كانت البيئة الجيدة لا تجعل الأفراد متماثلين، إلا أنها تعطي الفرصة لكل فرد كي ينمو للحد الأقصى الذي تؤهله له قدراته”.

يتضح من كل ما سبق، أن هناك اتفاقا على التأكيد على أهمية دور الأسرة في رعاية الأولاد وتربيتهم قبل المدرسة، بل يجب أن تتظافر جهود الآباء والأمهات، وأهل العلم، والدعاة، والتربويين، والإعلاميين.. للمحافظة على بناء الأسرة الصالحة في المجتمع، كلنا مسؤولون، كل من موقعه، وإن كانت للأسرة حصة الأسد في هذه المسؤولية، وبالأخص في جرعة الأدب كتلقيح أولي أساسي قبل العلم.

قال عبد الله بن المبارك رحمه الله: “نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم” (ابن القيم، مدارج السالكين، بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ج 2، ص 356).

تتمة المقال بعد الإعلان

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى