المنبر الحر | التهافت الإمبريالي على المغرب ومحاولات الإصلاح
تفاعلا مع مقال "الحقيقة الضائعة"

بقلم: ذ. محمد جباري
في سياق المد الاستعماري على العالم الإسلامي خلال القرن التاسع عشر، أصبح المغرب محط اهتمام وأطماع القوى الأوروبية المتنافسة حول الاستفراد بأكبر قدر ممكن من المستعمرات، ووظفت الدول الأوروبية مختلف الوسائل العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية لزيادة الضغط عليه، وإرغامه على الخضوع لمطالبها وتمهيد الطريق أمام الاحتلال الترابي.
وقد شكل الاحتلال الفرنسي للجزائر عام 1830، تهديدا مباشرا للمغرب، إذ أصبحت فرنسا، بعد توطيد أركانها بالجزائر، تتطلع لاحتلال المغرب، وبدأت تتحرش بالتخوم الشرقية، ولتبرير هذه النية المبيتة، استغلت الدعم المغربي للمقاومة الجزائرية في شخص زعيمها الأمير عبد القادر الجزائري، لتبرير توغلها بالمناطق الحدودية، وجر المغرب لخوض معركة خاسرة لا قبل له بها.
أنزلت فرنسا بالمغرب هزيمة شنعاء في وادي إيسلي عام 1844، وقد كانت هذه الهزيمة صدمة كبيرة بكل المقاييس، وفي ظرف وجيز وبعدد جنود أقل بكثير الطرف المغربي، وبالتالي، فقد عاش المغاربة عشية هذه الهزيمة، صدمة نفسية وحضارية جعلت الذات المغربية تطرح على نفسها أسئلة كبرى، وتدخل في مقارنات مع الآخر المخالف في الدين وفي العقيدة، وأصبح السؤال المحوري لدى النخبة السياسية والمثقفة هو: لماذا انهزمنا وتقدم الآخر؟ وحاولت الأدبيات التاريخية أن تقدم جوابا وحلولا للخروج من الهوة الحضارية، واللحاق بالآخر، الذي كان إلى وقت قريب ضعيفا، وانتصر عليه المغاربة في موقعة شهيرة (وادي المخازن)، التي تركت صدى واسعا في العالم المتوسطي خلال القرن 16، ومنحت للمغرب سمعة طيبة لدى الإمبراطوريات الكبرى آنذاك.
لقد أثارت هذه الهزيمة المدوية شهية إسبانيا التي تجرأت على توسيع حدود حاميتها العسكرية بمليلية المحتلة، مما أدى إلى وقوع مناوشات بين القوات الإسبانية وقبيلة الأنجرة، والتي تحولت إلى حرب تطوان في الفترة 1859-1860، وانتهت هي أيضا بهزيمة شنيعة للمغرب، حتى قال عنها أحد المؤرخين: “هذه الهزيمة هي التي أزالت حجاب الهيبة عن المغرب”، إذ احتلت إسبانيا على إثرها مدينة تطوان، وساومت المغرب بدفع 20 مليون ريال إسباني مقابل الجلاء عن المدينة، وهو ما أرهق خزينة الدولة وجرها إلى الإفلاس، نتيجة الاقتراض من الخارج، وذهاب مستفاد المراسي للإسبان.
لم تتوقف الدول الأوروبية عند هذا الحد، بل مارست على المغرب ضغوطا اقتصادية وتجارية، حيث تم توقيع عدة معاهدات تجارية غير متكافئة، ضمنت العديد من الامتيازات للأوروبيين، من هذه المعاهدات، اتفاقية 1856 مع إنجلترا، التي فتحت الباب على مصراعيه أمام تهافت الدول الأخرى، إذ منحت للقنصل القيام بدور القاضي إذا كان المدعى عليه إنجليزيا، وبدور المحامي إذا كان مغربيا، كما منحت للتجار الإنجليز حق السكن والتجول في جميع المناطق المغربية، وتأسيس المراكز التجارية بالسواحل، ومنح الحماية القنصلية للمغاربة الراغبين في الإفلات من الضرائب والمخزن (القضاء)… إلخ، وهو ما يعتبر مسا سافرا بالسيادة المغربية، وبمفهوم المواطنة في عز نشأتها، والتي كانت أوروبا تمارس الدعاية لأفكارها “التنويرية” وتتشدق بالحضارة والحقوق.
وفي محاولة للحيلولة دون السقوط بين فكي الإمبريالية الأوروبية، أقدم المغرب على الانخراط في سياسة إصلاحية واسعة للنهوض بأركان الدولة، وتنمية القطاعات الاقتصادية والاجتماعية، وذلك في سياق الوعي بالتخلف، وبأهمية الإصلاح والتحديث لتجسير الهوة الحضارية بين الشرق والغرب، وربما استعادة مجد الحضارة الإسلامية والتفوق على الغرب، فكانت المؤسسة العسكرية أولى القطاعات التي همها الإصلاح في المغرب كما في عموم العالم الإسلامي، ذلك أنها الجهاز الأول والمباشر الذي أبان عن فشله، واستشعر قوة الغرب العسكرية. من هنا، اهتم المغرب ببناء جيش نظامي حديث على الطراز الغربي، إذ تم استقدام مدربين ومؤطرين عسكريين من الخارج ومن الدولة العثمانية، ثم شراء الأسلحة والمعدات الحربية، وتخصيص رواتب قارة للجنود، وزي رسمي موحد.
وعلى المستوى الإداري، أحدثت وزارات جديدة، واعتمد نمط التخصص للوزراء، وأحدثت وزارة الخارجية بطنجة، لإبعاد الأجانب والسفراء ومكائدهم عن البلاد والعاصمة.
بطبيعة الحال، هذه الإصلاحات تحتاج إلى أموال وأطر، لهذا قامت الدولة بالتوازي، بإصلاح اقتصادي لأجل ذلك، كزراعة القطن والسكر بمنطقة مراكش وسوس، ومد قنوات السقي، وأنشأت معامل ومناجم للمعادن، كما ظهرت بعض مشاريع المواصلات المحتشمة، ومن جهة أخرى، عرفت العملة إصلاحات لوقف الانهيار أمام العملات الأجنبية، كما عممت الضرائب على كافة الشرائح الاجتماعية.
في المقابل، فإن ما كلفته هذه الإصلاحات من أموال طائلة وجهود ومحاولات حثيثة للسلاطين، إلا أنها باءت بالفشل، وعاد المغرب إلى مربع الصفر، وأضحى فريسة سائغة للدول الأوروبية، التي نظمت مؤتمرات ووقعت اتفاقات بينية، لتسوية خلافاتها حول المغرب، حتى استقر الأمر في نهاية المطاف لفرنسا وإسبانيا، وأبعدت إنجلترا إلى مصر وإيطاليا إلى ليبيا وألمانيا إلى إفريقيا.
في الواقع، إن فشل الإصلاح في المغرب لا يمكن فصله عن فشل الإصلاح في العالم الإسلامي آنذاك، كمصر في عهد محمد علي باشا، وفي الدولة العثمانية، إلى درجة أنه يمكن نعت ذلك بأنه كان “حتمية تاريخية”، لكن ذلك لا يمنعنا من عرض بعض مسببات الفشل ومنها: قلة الأطر المؤهلة، والافتقار للإمكانيات المالية، والجفاف، ورفض الإصلاح من لدن المغاربة بدعوى أنه تشبه بالكفار والخوف من الجديد والأفكار الجديدة، وخوف بعض الطبقات على مصالحهم، علاوة على عرقلة الأوروبيين لكل المشاريع الإصلاحية الجادة التي تهدد تغلغلهم ومصالحهم، وإنهاك الدولة بالقروض، والتجسس… إلخ.



