تحليل إخباري

تحليل إخباري | هل قاد الملك محمد السادس دول الخليج إلى الانفتاح على الصين وروسيا ؟

المصير المشترك بعد مؤامرة الغرب

إذا كنت لا تفهم أسباب التشابه بين المواقف المغربية والخليجية في عدد من القضايا الاستراتيجية، وعلى رأسها الانفتاح الأخير والغير متوقع، على كل من الصين وروسيا، بعد سنوات من التماهي مع السياسة الغربية(..)، يكفي أن تعود للخطاب الغير مسبوق للملك محمد السادس في القمة المغربية الخليجية التي افتتحت يوم الأربعاء 20 أبريل 2016 بالعاصمة الرياض، وخلالها تم فضح “المؤامرة”.

إعداد: سعيد الريحاني

    قال الملك محمد السادس، بلغة صارمة: ((إن هذه القمة تأتي في ظروف صعبة، فالمنطقة العربية تعيش على وقع محاولات تغيير الأنظمة، وتقسيم الدول كما هو الشأن في سوريا والعراق وليبيا، مع ما يواكب ذلك من قتل وتشريد وتهجير لأبناء الوطن العربي.. فبعد ما تم تقديمه كربيع عربي، خلف خرابا ودمارا ومآسي إنسانية، ها نحن اليوم نعيش خريفا كارثيا، يستهدف وضع اليد على خيرات باقي البلدان العربية، ومحاولة ضرب التجارب الناجحة لدول أخرى كالمغرب، من خلال المس بنموذجه الوطني المتميز))، وأضاف بلغة العارف بخبايا الأمور، وفي نفس الوقت كان ينبه دول الخليج: ((إن الوضع خطير، خاصة في ظل الخلط الفاضح في المواقف، وازدواجية الخطاب بين التعبير عن الصداقة والتحالف، ومحاولات الطعن من الخلف.. فماذا يريدون منا؟ إننا أمام مؤامرات تستهدف المس بأمننا الجماعي، فالأمر واضح، ولا يحتاج إلى تحليل.. إنهم يريدون المس بما تبقى من بلداننا، التي استطاعت الحفاظ على أمنها واستقرارها، وعلى استمرار أنظمتها السياسية، وأقصد هنا دول الخليج العربي والمغرب والأردن، التي تشكل واحة أمن وسلام لمواطنيها، وعنصر استقرار في محيطها)).

في سنة 2016، وبينما كانت الأنظمة العربية مهددة، كانت أمريكا لا تزال تفعل ما تشاء في دول الخليج، بل إن توجيهاتها هي التي زجت بالمنطقة في عداوات طويلة(..)، لكن المغرب كان سباقا إلى تنبيه الخليج إلى ضرورة تنويع شركائه، على غرار ما قام به وقال وقتها: ((فالمغرب رغم حرصه على الحفاظ على علاقاته الاستراتيجية مع حلفائه، قد توجه في الأشهر الأخيرة نحو تنويع شراكاته، سواء على المستوى السياسي أو الاستراتيجي أو الاقتصادي، وفي هذا الإطار، تندرج زيارتنا الناجحة إلى روسيا، خلال الشهر الماضي، والتي تميزت بالارتقاء بعلاقاتنا إلى شراكة استراتيجية معمقة، والتوقيع على اتفاقيات مهيكلة، في العديد من المجالات الحيوية.. كما نتوجه لإطلاق شراكات استراتيجية مع كل من الهند وجمهورية الصين الشعبية، التي سنقوم قريبا، إن شاء الله، بزيارة رسمية إليها، فالمغرب حر في قراراته واختياراته وليس محمية تابعة لأي بلد، وسيظل وفيا بالتزاماته تجاه شركائه، الذين لا ينبغي أن يروا في ذلك أي مس بمصالحهم)).

تتمة المقال بعد الإعلان
جانب من الاجتماع التحضيري للقمة العربية

((المغرب ليس محمية لأحد)).. هكذا تحدث الملك محمد السادس سنة 2016، وبعدها يمكن تسجيل عدة مبادرات خليجية للانفتاح على روسيا والصين، بل إن المغرب كان سباقا إلى تفكيك شيفرة المؤامرة الغربية منذ سنة 2011، وهي تاريخ الانطلاق الفعلي لـ”مؤامرة الربيع العربي”، وربما كان للنصائح المغربية أثرها في الخليج، لأن “الأمن الخليجي والأمن المغربي يصبان في قالب واحد”، ومن تم كان التوجه الخليجي نحو الصين وروسيا، وقد كتب واحد من المحللين ما يلي: ((لقد ظلت معظمُ الدول العربية، وتحديدا دول الخليج العربي، عقودا طويلة تسيرُ في فلكِ المعسكر الغرب، سياسيا واقتصاديا وعسكريا، وكانت تمتلكُ علاقات وطيدة وتاريخية بشكل خاص مع أمريكا، وبريطانيا، وقد تم اختبار هذه العلاقة الخليجية – الغربية في أكثر من حدث في أواخر القرن العشرين، أبرزهما “الحرب العراقية – الإيرانية” و”حرب تحرير الكويت من الغزو العراقي”، وقد كان اختبارا مرضيا للطرفين، الخليجي والغربي، بما يعزز وحدة المصالح الاستراتيجية بينهما، لكن سنوات العسل لم تستمر طويلا، بين الغرب ودول الخليج، وتحديدا مع السعودية والإمارات، وكانت نقطةُ الخلاف الكبيرة قد حدثت عام 2011، حين انتهجت إدارة الرئيس الأسبق، باراك أوباما، مخطط إسقاط الأنظمة العربية، ومحاولة رسم خريطة “شرق أوسط جديد”، ولم يقتصر ذلك المخطط على دول “جمهورية عربية” مثل مصر وليبيا وتونس وسوريا واليمن، ولكنه تجاوز ذلك ضمن محاولة لإسقاط أنظمة عربية ملكية – دستورية، مثل المغرب والأردن والسعودية والبحرين، وحينها التقت أجندةُ أوباما مع أجندةِ خامنئي في إيران، للعبث بأمن واستقرار دول الخليج العربي.. وقد بدا ذلك بشكل فاضح في البحرين عام 2011، وفي التمرير الغربي للانقلاب الحوثي في اليمن ضد الحكومة الشرعية، وإذا كانت البحرين قد نجت بأعجوبة وصمود وتظافر الجهود الخليجية، وخصوصا من السعودية والإمارات، من مخطط أوباما الكارثي، فإن دول الخليج لم تنج من الإرهاب الحوثي – الإيراني، وخصوصا ضد مدن السعودية والإمارات مؤخرا، وإذا أضفنا إلى ذلك تدخلاتِ الدول الغربية (أمريكا وبريطانيا ودول أوروبا وكندا) في الشؤون الداخلية للسعودية والإمارات والبحرين وبقية دول الخليج، تحت شعارات فضفاضة خلافية من حيث التفسير السياسي، مثل “نشر الديمقراطية الغربية” و”حقوق الإنسان” و”الحريات السياسية” و”حقوق المثليين” و”حرية المرأة”، وغيرها من الشعارات التي صار يستخدمها الغرب كثيرًا في السنوات الأخيرة للضغط وابتزاز السعودية والإمارات والبحرين وبقية دول الخليج العربي.. هذه التصرفات المتعالية من الغرب ضد حكومات وشعوب دول الخليج، جعلت الأخيرة تفكر في تحالفات دولية جديدة، أو على الأقل عدم الاعتماد الكلي على الأمريكان والدول الغربية فقط، وقد اتجهت كثير من دول الخليج إلى إقامة علاقات متطورة، اقتصادية وسياسية وعسكرية، مع روسيا والصين، وهما القوتان المنافستان لأمريكا والغرب في العالم)) (المصدر: أخبار الخليج).

هكذا إذن، تورط الغرب سابقا، في محاولات إسقاط الأنظمة القائمة في الخليج وفي المغرب وفي الأردن، وهو ما دفع دول الخليج إلى الانفتاح على الصين وروسيا، بل إن الملك محمد السادس هو الذي بدأ بالانفتاح على روسيا، وهو ما يؤكده لقائه مع الرئيس فلاديمير بوتين،وأكثر من ذلك،فملك المغرب حرص سنة 2016 على توقيع اتفاق استراتيجي مع الرئيس الصيني شي جين بينغ خلال زيارته للصين..((إن هذه الزيارة، التي تأتي أشهرا قليلة بعد تلك التي قام بها صاحب الجلالة إلى روسيا، ستمكن بكل تأكيد، الرباط وبكين، من تعزيز علاقاتهما السياسية على أساس مبدأ الصداقة والتفاهم والتضامن، والإرادة المشتركة من أجل تنويع مجالات التعاون الثنائي في أفق واعد من التنسيق سيعود بالمنفعة المتبادلة، وعلاوة على تقوية التعاون في مجالات القضاء والثقافة والسياحة والطاقة والبنيات التحتية والخدمات القنصلية، مكنت الزيارة الملكية من إعطاء دفعة قوية للشراكة الاقتصادية، خصوصا في قطاعات المالية والبنية التحتية والسيارات والنسيج والطيران واللوجستيك والطاقات المتجددة، كما مهدت السبيل أمام المقاولات الصينية لكي تعزز وجودها بالمغرب وأن تجعل من المملكة منصة حقيقية لتطوير أنشطتها في إفريقيا وأوروبا)) (المصدر:بلاغات رسمية). 

قد يقول قائل لا تأثير للسياسة المغربية على دول الخليج، لكن هذا الأمر غير صحيح، فالتنسيق المغربي الخليجي يبلغ مستويات عليا، بل إن الحديث عن غياب ملوك وأمراء دول الخليج عن القمة العربية في الجزائر، تم ربطه مع الزيارة الأخيرة لوزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة إلى السعودية، على اعتبار أن الوزير حمل رسالة ملكية إلى زعماء دول الخليج، وكتبت الصحافة ما يلي: ((أصبح في حكم المؤكد فشل القمة العربية المقررة بداية نونبر بالجزائر، بعدما أعلن ولي العهد السعودي بشكل رسمي عن إلغاء حضوره، والشيء نفسه علم لدى دولة الإمارات العربية المتحدة، والبحرين، والكويت، التي ستحضر بمستوى وزاري فقط في القمة التي يرتقب أن يحضرها فقط أمير قطر، والرئيس التونسي، إضافة إلى الرئيسين الفلسطيني والموريتاني، وفيما لم يؤكد بعد حضور الرئيس المصري، فإن كلا من السودان ولبنان وليبيا واليمن، ستكتفي بدورها بحضور وزاري فقط.

بوريطة في زيارته إلى الرياض مؤخرا

إن الرفض الخليجي لحضور القمة على أعلى مستوى، جاء مباشرة بعد الزيارة التي قام بها وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، إلى السعودية، حاملا رسالة من الملك محمد السادس إلى نظيره الملك سلمان، ويرى متتبعون أن النظام العسكري الجزائري رفض أي وساطة سعودية خليجية للصلح مع المغرب، وهو ما اعتبره ملوك وأمراء الخليج بمثابة حكم مسبق على فشل القمة العربية، في الوقت الذي يرفع فيه النظام الحاكم في الجزائر شعار “قمة لمّ الشمل” بينما يرفض الصلح مع جاره، الذي قطع معه العلاقات الدبلوماسية من جانب واحد، كما أغلق الأجواء في وجه الطيران المدني والعسكري المغربي)) (المصدر: موقع الزنقة 20/ 23 أكتوبر 2022).

تتمة المقال بعد الإعلان

بالنسبة لدول الخليج، فقد كشفت الحرب الأوكرانية توجه هذه الدول إلى التمرد على الغرب وفي مقدمته واشنطن، و((لعل الدليل النموذجي على ذلك، ما أقدمت عليه مجموعة “أوبك+” من قرار بخفض إنتاج النفط بمقدار مليوني برميل يوميا، وهو ما يدعم روسيا في حرب العقوبات.. فالغرب وضع سقفا لأسعار النفط الروسي، وردا على ذلك، وعدت موسكو بعدم إمداد الدول التي ستنضم إلى ذلك، بالنفط، والنقص في النفط الناتج عن ذلك سيؤدي حتما إلى ارتفاع أسعاره، وهو ما يضرب أوروبا، وكان من الممكن لمصدري النفط الآخرين الاستفادة من هذا الوضع لشغل مكانة روسيا ومساعدة الغرب، إلا أنهم امتنعوا عن القيام بهذا العمل، بل إن الأدهى من ذلك، هو ما أفادت به تقارير صحفية من أن أمير دولة قطر، تميم بن حمد آل ثاني، قطع زيارته الرسمية والأولى منذ بداية العلاقات الدبلوماسية إلى جمهورية التشيك في يومها الأول، وكان المزمع أن تستمر الزيارة ثلاثة أيام، حيث كان من المقرر أن يلتقي خلالها الأمير برؤساء الدول والحكومات الأوروبية، غدا الجمعة 7 أكتوبر،ومن الواضح أن قطر واجهت ضغوطا غير مسبوقة من أوروبا بشأن إمدادات الغاز القطري، وكانت استجابتها بدرجة كبيرة من التحدي، وهو ما يدل على تجاهل كامل لأوروبا..وقبل أسبوع، واجه المستشار الألماني، أولافشولتز، نفس الاستقبال البارد خلال زيارته للخليج، ولم تحقق الزيارة شيئا)) (المصدر: وكالات).

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

تعليق واحد

  1. التابث من خلال التاريخ، والواقع، ان الغرب المسيحي والعلماني،دول استعمارية بامتياز، ويكن العداء لباقي الشعوب،أيا كان جنسها ودينها ويعتبر ثرواتها مواردا للإستغلال ولا يفكر الا في مصلحته.
    وما ثبت ان كانت -على مر التاريخ -دولة الصين ودولة روسيا،دولا استعمارية، والثابت انها مقاومة للإمبريالية وللراسمالية المتوحشة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى