المنبر الحر

المنبر الحر | ما هكذا تكون التوعية والتحسيس في مجال الصحة !؟

بقلم: عثمان محمود

    لا أحد يمكنه أن ينكر حضور البرامج التي تعنى بالصحة في وسائل إعلامنا المسموعة والمرئية، بحيث باتت معظم البرامج تتطرق لمختلف ما يهم المستمع والمشاهد، ويكفي المرء متابعة ما تقدمه الإذاعات العامة والخاصة في الفترات الصباحية ليقف على ما يذاع في هذا الشأن، لكن اللافت للنظر، هو أن تلك البرامج لا تأخذ صبغة التوعية والتحسيس بما يهم صحة المواطن بالشكل المرجو الذي يرفع من مستوى وعيه بما ينبغي اتباعه، وما يجب اجتنابه من أجل تحقيق المبتغى ونيل المراد، فغالبية البرامج المتحدث عنها تعمد إلى التواصل مع الأطباء في مختلف التخصصات لتطرح عليهم أسئلة المستمعين من خلال الهاتف مع توجيه من المذيعة أو المذيع، بحيث لا يخرج الطبيب – وهو يجيب عن الأسئلة المتنوعة – عن النهج الذي ينهجه وهو داخل عيادته الخاصة، وكثيرا ما تتم إحالة المستمع أو المستمعة على عنوانه أو رقم هاتفه لزيارته لإجراء فحص مباشر، وهنا تغيب التوعية الصحية بمفهومها الحقيقي والتي تنبني على نقل المعلومة الدقيقة من المختص إلى الإنسان العادي بطريقة جذابة تعمل على تبسيط المصطلحات العلمية وتيسير فهمها، وتوفر ظروف التجاوب والمتابعة لبلوغ درجة الوعي بهذا الأمر الطبي أو ذاك.

تتمة المقال تحت الإعلان

وإذا تأملنا التحسيس الطبي الذي يأخذ له مكانا ضمن الوصلات الإشهارية المختلفة المشارب والمقاصد، فتلك قضية أخرى، إذ نجد الكثير منها تطبعه السرعة ويعمل على نقله إلى المشاهد أو المستمع أناس لا علاقة لهم بالمجال الصحي، ولنا في الوصلات الإشهارية الثلاث التي تكثف بثها إبان دعوة المواطنين إلى أخذ الجرعة التعزيزية ضد “كوفيد 19″، المثل الواضح.. ففي إحداها يظهر شاب جالسا داخل مقهى وهو منشغل البال، ولا يفتأ يسأل عمن حوله في توتر، وما هي إلا لحظات حتى تعلو محياه ابتسامة عريضة وقد وصل الشيخ الذي انشغل بأمر تأخره، ومن خلال كلمات متثاقلة نعلم أنه أخذ للتو الجرعة التعزيزية! فأي شيء إذن، عرف المشاهد عن أهمية هذه الجرعة التعزيزية؟ وما رأي الطب في شيخ أخذ تلك الجرعة والتحق مباشرة بالمقهى دون الانتباه إلى بعض التأثيرات الجانبية التي تعقب أخذ التلقيح؟ وأين هو الجانب الاحترازي، ومسافة الأمان وقد بدا الشاب جالسا رأسا إلى رأس أمام الشيخ أثناء بداية اللعب؟ وإذا وقفنا عند الوصلة التي كان بطلها أحد الممثلين، فهي حقا كوميدية بما للكلمة من معنى، إذ ظهر بطلها ساخرا ممن ينصحه بأخذ الجرعة التعزيزية التي لم يكشف عن مفهومها مطلقا، حيث اكتفى بنطقها بالفرنسية والعربية، وأن كل أفراد أسرته أخذوها، وخلال ذلك روجت الوصلة المذكورة لمغالطات لا علاقة لها من قريب أو بعيد بالتلقيح، وهو ما لم يكن ليمر لو أن التحسيس في مفهومه الصحيح عهد به إلى طبيب متخصص، وأكثر من هذا، فإن بطلنا أخذ من صديقه الذي قدم له نصيحته تلك مقابلا تمثل في “كأس قهوة”، ومعه كأس عصير، وهنا نسائل الطب ما رأيه في هذا الخلط بين القهوة والعصير، أم أن تلك مجرد وصلة إشهارية كوميدية؟! أما الوصلة الثالثة، فتظهر فيها امرأتان رأسا إلى رأس أيضا على مائدة يعلوها إبريق شاي وكؤوس، ومع الشروع في الشرب يأتي الحديث عن داء السكري، والجرعة التعزيزية وضرورة الذهاب لأخذها على جناح السرعة، ولا شيء غير هذا!! 

تتمة المقال تحت الإعلان

بالله عليكم.. هل كان يكلف الساهرين على إنتاج هذه الوصلات وإخراجها الشيء الكثير لو أنهم عهدوا بتقديمها إلى طبيب متخصص بعد إعداد سيناريو محكم وتحويله بعد ذلك إلى لقطات معبرة مصحوبة بكلمات دقيقة تطرق الأسماع، وتلج بوابات الأفهام لتتحول إلى سلوك وفعل؟!

تتمة المقال تحت الإعلان

ختاما، بما أن الصحة من مشاغل المواطن، فمن واجب الإعلام أن يوليها كبير الاهتمام في جانبها التحسيسي، من خلال إعداد وتقديم برامج يغيب عنها التسرع والارتجال والخوض في أمور المرض وعلاجه بشكل يشتت الانتباه، ويبعث على السأم والملل، وتلك من علامات البرامج الفاشلة التي لا تصل رسالتها إلى المشاهد أو المستمع كما ينبغي، على الرغم من نبل الغاية وسمو الهدف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى