المنبر الحر

المنبر الحر | معالم حضارية وآثار تاريخية من السلف إلى الخلف

بقلم: ذ. الحسن العبد

    كانت الحضارة الإسلامية، ولا تزال بطبيعة الحال، حضارة تمزج بين العقل والروح والإنسانية والتعايش، فهي حضارة كاملة تمتاز عن الكثير من الحضارات السابقة بالشمولية التي أكسبتها أهمية عالية، فالإسلام دين عالمي وشمولي في مقاصده، يحض على طلب العلم وعمارة الأرض لتنهض أممه وشعوبه وتتحضر.

ويجدر بنا أن نعرف كلمة “حضارة” أولا لنستوعب ما نحن مقدمون على عرضه في هذا النص المقال، فكما جاء في معجم المعاني الجامع:

حَضارة: اسم والجمع: “حضارات”، والحَضارة: “الإقامة في الحضر” مصدر حضَرَ، وتعني الحَضارة: التمدُّن، عكس البداوة، وهي مرحلة سابقة من مراحل التطور الإنساني.

تتمة المقال بعد الإعلان

فالحضارة تعني أيضا: الكل المركب الذي يجمع بداخله جميع المعتقدات، والقيم، والتقاليد، والقوانين، والمعلومات، والفنون، وأيّ عادات أو سلوكات، أو إمكانات يمكن أن يحصل عليها فرد ما في مجتمع ما، على حد تعبير إدوارد تايلور، مؤسس علم الأنثروبولوجيا الثقافية.

فيا ترى، أين تتجلى الحضارة في عوالمنا؟ وسنركز أو سنخص بالذكر حضارة المملكة المغربية، وبالأخص المدن العتيقة، كمدينة الرباط ومدينة مراكش والعاصمة الإسماعيلية مكناس، وفاس التي تعتبر بحق العاصمة الروحية والعلمية للمملكة، وهي جزء لا يتجزأ من هذه الحضارة، إنها المدينة العريقة المتميزة عن غيرها في العديد من المحطات التاريخية، وبالأخص فيما تتفرد به من تنوع في معالمها الأثرية..

إن فاس مدينة ذات بعدين: تاريخي وحضاري كبيرين، فهي العاصمة الدينية والروحية والعلمية للمملكة المغربية، لما تزخر به من مساجد وجامعات ومدارس وأسواق وقصور وبروج قديمة، وتتميز بتاريخها العريق وعمارتها الفريدة وزخارفها الجميلة، كما يقول عنها الدارسون، وتشكل كذلك جزءً أساسيا من التراث المغربي والعربي والإسلامي، فهي مقصد للسياح العرب والأجانب على السواء، وتتوزع هذه المدينة العتيقة على مدينتين: واحدة قديمة، وأخرى حديثة، فتمزج بين الماضي العريق والحداثة المعاصرة.

لكن الملاحظ، هو أن المملكة المغربية كلها تنعم بمزايا متعددة تجعلها واحدة من معالم السياحة الرئيسية في شمال إفريقيا والمنطقة العربية ككل، ويتميز المعمار المغربي، بذلك، بتنوعه الغني وجماليته، سواء بمدن شمال أو جنوب المغرب، حيث تتيح لك الأسوار المحصنة والمدن والمآذن والأبواب الأثرية أو حتى القصور والقصبات، اكتشاف آلاف الكنوز المعمارية، فالمعمار المغربي غني بالعديد من الثروات، وبكل الجهات، فمثلا تجد معلمة ضريح محمد الخامس وصومعة حسان وقصبة الأوداية بالرباط العاصمة الإدارية للمملكة، وجامع القرويين الذي بني عام 245هـ/859م بمدينة فاس من طرف فاطمة الفهرية، وقد سمي الجامع بالقرويين نسبة إلى القيروان مدينة فاطمة الفهرية، وكلية الأندلس بفاس، الجامع بعدوة الأندلس، باب الفتوح، كما تجد جامع الكتبية، وقصر الباهية، وحدائق المنارة، ومعهد ومسجد علي بن يوسف بمراكش الحمراء، وباب المريسة بمدينة سلا، وأيضا مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء، وهو أكبر مسجد في البلاد وسابع أكبر مسجد في العالم، ثم معلمة أخرى وهي باب المنصور لعلج الذي يوجد بمكناس، وغيرها من المآثر التاريخية والمعالم الحضارية التي تزخر بها بلادنا.

تتمة المقال بعد الإعلان

فهل يا ترى يعلم أبناؤنا وبناتنا بتواجد هذه الكنوز؟ وهل تتم زيارتها من طرف الأسر المغربية لتمرير وإعطاء المشعل الحضاري للجيل الصاعد، أم فقط زيارات السياح الأجانب لها؟

شخصيا، كابن من أبناء فاس، وابن العدوة، باب الفتوح، تربيت وترعرعت بأزقة ودروب المدينة القديمة، لم أكن لأحظى بشرف معرفة هذه المعالم الحضارية ببلادنا لولا الرحلات الثقافية المدرسية، من جهة، ولوجي عالم السياحة كمرشد غير شرعي لعدة سنوات، في سبعينات القرن الماضي، من جهة أخرى، وقد كانت الرحلات المدرسة تقودنا إلى المدن العريقة ويتفضل أساتذة مادة الاجتماعيات – مشكورين – بتزويدنا بلمحة تاريخية عن أماكن الزيارة بمختلف المدن والجهات، أما تواجدنا مع السياح الأجانب في كل الأمكنة التاريخية، فكان له الأثر البالغ والفضل الكبير في اطلاعنا على تاريخ الأجداد وحضارة أسلافنا الميامين، فلولا هذين العاملين الأساسيين لما وقفنا بأنفسنا على معالم المملكة في ألسن البنيان، ولاكتفينا بدروس نظرية لمادتي التاريخ والجغرافيا بالمدرسة.

فحبذا لو تقوم الأسر المغربية بتلقين أبنائها وبناتها تاريخ الآباء والأجداد، على شكل زيارات جماعية لأماكن حضارية، وتقوم المؤسسات التعليمية بزيارات ثقافية لمختلف معالم بلادنا بمدن المملكة وقراها، ينعم بها التلاميذ عن طريق مشاهدة الماضي في رونقه وعظمته بالعين المجردة، لأخذ المشعل الثقافي ومواصلة المشوار الحضاري، فلنا حضارة كأمة لها تاريخ طويل ولم نأت من عدم، ولله در الشاعر في قوله:

همم الملوك إذا أرادوا ذكرها                   من بعدهم فبألسن البنيان

إن البناء إذا تعاظم قدره                         أضحى يدل على عظيم الشان

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى