المنبر الحر

المنبر الحر | لا عجب في زمن الشغب.. !

بقلم: ذ. الحسن العبد

    تتسم مظاهر الفرجة، سواء الفنية أو الرياضية، بكل أنواعها في السنين الأخيرة، بأعمال الفوضى والمخالفات التي يقوم بها أشخاص مشاغبون يتعرضون لحقوق الغير، والمصلحة العامّة، وخاصة شباب في مقتبل العمر.

ويعرّف الشغب في معاجم اللغة العربية، بأنه تهييجُ الشر وإثارة الفتن والاضطراب، فالشغب بذلك هو الجلبة والخصام بين شخصين أو أكثر، بحيث تجد إثارة كل واحد منهما الشغب على الآخر.. لماذا هذا الشغب، وبهذه الحدة ؟ كيف يمكن صرف مثيري الشغب عن هذه الأفعال؟ وما هو السبيل لفض الشغب بمختلف الأماكن التي تشهد هذه الظاهرة بالوسائل الحضارية؟

بادئ ذي بدء، وجب التطرق لظاهرة الشغب عبر الحقب والأزمنة، وبكل جهات العالم، لوضعه في إطاره الحقيقي، فإذا كان مجالا الفن والرياضة يشهدان اليوم، أثناء كل فرجة، انتشار ظاهرة الشغب، فالقضية ليست وليدة اليوم، بل تجد جذورها، وبصفة خاصة، في قطاعي التربية والتعليم والثقافة، وكذلك تم استعمالها من قبل السياسيين، لغاية في نفس يعقوب كما يقال، ولتحقيق المكاسب بأي ثمن بغض النظر عن النتائج الوخيمة!

تتمة المقال بعد الإعلان

إذا كان التلميذ المشاغب، بكل المؤسسات التعليمية، يقوم بتوجيه طاقته في وسائل سلبية تؤدي إلى إثارة المشاكل في المدرسة، وخاصة إزعاج المدرسين أثناء إلقاء الدروس، وكذلك إدارة المؤسسة، وجعل الجو مشحونا في المدرسة، سواء بينه وبين بقية التلاميذ، أي رفاقه، أو كذلك بقية الأطر، بحيث لا يترك شيئا إلا ويخربه، بمحض إرادته وبصحبة مجموعته المشاغبة، وفي الغالب لأسباب نفسية واجتماعية، فعلى العكس من ذلك، فإن الأوبرا بأوروبا أو المسارح العالمية كان يستعمل فيها “الكلاكيرز”، وهم متفرجون مأجورون ليهيجوا الأماكن بشغبهم، والغريب أن سلوكهم مؤدى عنه مسبقا لإثارة الشغب، أما السياسيين، هنالك أو هناك، فيختارون نوعا خاصا من الشباب لا حول لهم ولا قوة، خلقة وخلقا، يستغلونهم في حملاتهم الانتخابية دون أدنى مبالاة بالنتائج الوخيمة لاندفاع هؤلاء الشباب في الحملة، فلا هم من شبيبة الأحزاب مؤطرين منظرين، ولا هم صنف من البشر قوامه التربية، فكيف لا تكون النتيجة صنع جيل أو أجيال من المشاغبين سمتهم العنف والتهور بالملاعب الرياضية وبكل أماكن الرقص والغناء؟

أتذكر – وللذكرى حنين – نوعية الجمهور الكروي لسنوات السبعينات من القرن الماضي، لا مقارنة طبعا مع اليوم، ويكفي أن أسرد للقارئ الكريم حدثا فرجويا كرويا جماهيريا عن ماضي النادي الرياضي للمغرب الفاسي، ليعرف نوعية المشجعين لكرة القدم في تلك الفترة.. رحم الله مشجعي “الماص” المميزين، والذين كانوا يتواجدون وراء المرمى، ويعرفهم كل حراسنا بالمملكة، كبشي ومعيودات رحمهما الله، وهم من رجالات عدوة الأندلس، باب الفتوح، ولا ننسى مشجعين آخرين خلفوا وراءهم ذكريات خالدة في النشاط الكروي، وتنشيط الجمهور، كبرادة المجدوب، على وجه الخصوص، وللذاكرة فقط، كنا نحن أولاد درب التويزي، سيدي بوجيدة، نقصد ملعب الحسن الثاني في كل مباريات فريق المغرب الفاسي، والفرق الأخرى من القسم الثاني، كالوداد الفاسي والاتحاد، مشيا على الأقدام كل أحد، ذهابا وإيابا، من سيدي بوجيدة إلى غاية الملعب بدار ادبيبغ، لافيل، مرورا بباب الجديد، والعوينة، من العاشرة صباحا حتى الثامنة مساء، لنشجع فريقنا العريق، ونشجع بالأخص لاعبي باب الفتوح، حومتنا الزعيمة، بالهتاف وترديد شعارات الفريق بشكل حضاري نقي، وغالبا ما كنا نحضر فقط ربع الساعة الأخيرة، حيث تفتح أبواب الملعب لأصحاب “البيليكي”.. “اللهم شي

 تنقيزة” من أسوار الملعب بالصبر على العصا.

وقد حكى لي صديق عزيز علي من الحي، سي أحمد الشتوي، أقصوصة عجيبة، تعتبر من طرائف كرة القدم الفاسية، فيها أمور مضحكة وفي نفس الوقت مسلية ونابعة من قفشات ونشاط محبي فريق المغرب الفاسي، حيث قال لي بالحرف، بالرغم بعلمي بالحدث، لكن لم أكن أعلم بالمونتاج البارع الجميل: “الزمان 1980، المكان: مقهى الحسين لقرع الحياني بالقرب من مكينة الحبابي بباب الخوخة، باب الفتوح، وكانت الساعة حوالي 10 صباحا. الموضوع وما فيه هو خلق مفاجأة لفريق النادي المكناسي، الذي كان سيحل ضيفا على فريق المغرب الفاسي، وبما أن الحارس اسمه بيبية، اتفق الجميع على شراء بيبية من جامع النوار، الذي هو بالمناسبة أول جامع بناه المولى إدريس حين أتى إلى فاس واستقر أول الأمر بباب الفتوح، يسترسل صاحبنا في الحديث، فيقول، وقمنا بخياطة قميص لبيبية، وأثناء المباراة وعند تواجدنا وراء مرمى الحارس بيبية، كالعادة، بتواجدنا دوما وراء مرمى الحراس لمداعبتهم ومحاولة شغلهم عن الدفاع عن المرمى، قام أحمد معيودات بإطلاقها على مرمى الحارس بنجاح، وبدأ الكل يهرول وراءها في جو رائع ومفعم بالنشاط، والكل ينادي يا بيبية، يا بيبية، والإخوة الذين قاموا بالعملية، هم الراحل مولاي علي، المرشد السياحي رحمه الله، أحمد معيودات، اللاعب المثير أحمد هريلا، برادة المجدوب، سلام ولد الشارع رحمه الله، وسيدي إدريس طيطيش الملقب كارسيا، وآخرين، إلا أن العجيب هو أن محبي الكوديم، سيشترون الدجاج الرومي في مقابلة مكناس عند العودة، ويقومون بترييشه، (إزالة الريش)، ورموا بالدجاج وسط الملعب وهم يهتفون بمزاح جميل، وبصوت واحد: الماص ألقورع.. الماص ألقورع”.. ويا لها من ذكريات لن ننساها، وهي في قمة اللباقة والحضارة التي تميز جهة فاس مكناس، فـ”يا حسرة” على الشباب!

تتمة المقال بعد الإعلان

يكون المجتمع مبنيا عن طريق شبابه، فالشباب – يقول الباحث توفيق محمد أمين – أساس وركيزة كل نماء وازدهار، وبالتالي، فالحرص على حسن تربيته على مكارم الأخلاق يعتبر مسألة أساسية وجب السهر عليها من طرف كافة مكونات المجتمع، بداية بالأسرة، ليليها المسجد، وكذلك المدرسة، والمجتمع ككل، حيث أن دور المدرسة بالأخص، لا يتجلى فقط في التكوين العلمي، بل وجب عليها السهر على حسن التربية، ولا ننسى العصا لمن عصى ولكل من أساء الأدب.

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى