المنبر الحر

المنبر الحر | كيف تغلب الغوغاء قانون المدرسة

بقلم: أشرف بولمقوس

باحث في العلوم السياسية

    يعتبر قطاع التربية والتعليم واحدا من القطاعات التي لم تنته النقاشات بشأنه ولم تحسم، وقد تعددت الخطط والاستراتيجيات، واختلفت النتائج، والنتيجة التي تكررت ولربما يتفق عليها الجميع، هي ضرورة التوصل إلى تعاقد شامل بخصوص هذا القطاع السيادي والهام .

يمكن اعتبار القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، فاكهة هذا النقاش وما سبقه، وهو بمثابة ميثاق وتعاقد استراتيجي لكل ما يهم التربية والتكوين والتعليم، والمرجع الأساس والفيصل في كل الإشكالات التي قد تعترض أي عملية تربوية تعليمية.

تتمة المقال بعد الإعلان

فكيف يمكننا تدبير الأمور الخلافية والتجاذبات الإيديولوجية في المدرسة؟ وما قول القانون الإطار كتعاقد استراتيجي في هذا الشأن؟

ينص القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي في ديباجته، على مجموعة من الرافعات، يعتبرها أساسية لتحقيق تكافئ الفرص من أجل تحقيق الأهداف المتوخاة، ومن بين هذه الرافعات: ”اعتماد نظام بيداغوجي يطور الحس النقدي وينمي الانفتاح والابتكار، ويربي على المواطنة والقيم الكونية”، وفي الحقيقة، هذه العبارة تستحق الوقوف عندها بشكل دقيق، وخصوصا عند عبارة القيم الكونية والحس النقدي، فالكوني يدل على كل مشترك إنساني، وهو مطلب إنساني وفلسفي معا، ويحيل هذا المفهوم على مجموع المبادئ والقيم الكونية كحقوق الإنسان، والعدالة والحرية وغيرها، ولذلك يعد الكوني هو الفضاء أو أفق مشترك يحمل خصائص وصفات مشتركة توحد كافة البشر رغم اختلاف وتنوع خصوصياتهم، وبمعنى آخر، فإن تواجد هذه العبارة ضمن القانون الإطار تعني أن المدرسة من مسؤوليتها تكوين تلميذ لا يختلف في هذه الجوانب عن كل تلميذ في العالم إلا في الأمور المرتبطة بالهوية الوطنية، التي يجب أن تتلاءم مع عبارة أخرى يتضمنها القانون الإطار أيضا وهي ”الانفتاح”.. هنا تحديدا يمكن القول أنه تم الحسم في أي تأويل تقليداني لما ينص عليه القانون الإطار بخصوص القيم الوطنية والدينية.

وما يزيد من الوضوح في القانون الإطار بهذا الشأن، هو المادة الثانية التي تحدد المقصود بـ”المفاهيم”، حيث عرفت السلوك المدني، هذه العبارة الواردة في الميثاق أكثر من مرة كما يلي: ”السلوك المدني: التشبث بالثوابت الدستورية للبلاد، في احترام تام لرموزها وقيمها الحضارية المنفتحة، والتمسك بالهوية بشتى روافدها، والاعتزاز بالانتماء للأمة، وإدراك الواجبات والحقوق، والتحلي بفضيلة الاجتهاد المثمر وروح المبادرة، والوعي بالالتزامات الوطنية، وبالمسؤوليات تجاه الذات والأسرة والمجتمع، والتشبع بقيم التسامح والتضامن والتعايش”، وهو ما ذهبت في اتجاهه المادة الرابعة كذلك، التي تعتبر من الركائز الأساسية لتحقيق الأهداف المرسومة: “التشبث بالهوية الوطنية الموحدة المتعددة المكونات، والمبنية على تعزيز الانتماء إلى الأمة، وعلى قيم الانفتاح والاعتدال والتسامح والحوار والتفاهم المتبادل بين الثقافات والحضارات الإنسانية”، وهنا يجب أن نتوقف قليلا عند معاني الكثير من العبارات: فـ”الهوية الوطنية المتعددة الهويات”، تضم المكون العبري مثلا، هذا المكون الذي يصعب أن تجد اليوم بالمدرسة من يحمل تجاهه نظرة تسامحية باستثناء تلك المغلفة بالتبرير الديني نفسه، أما عن عبارة ”قيم الانفتاح والاعتدال والتسامح”، فتعني عمليا تقبل وجود ديانات أخرى حتى داخل الفضاء المدرسي مثلا، والحضارات الإنسانية تضم عديد العرقيات والديانات، ويفترض في المتعلم أن لا يتقبلها فقط، بل ينفتح عليها.

أنا هنا لست بصدد تقديم قراءة في القانون الإطار للتربية والتكوين، لكني أعتقد أن لهذا القانون سياقا سياسيا ودوليا جاء في ظرف عرفت فيه بلادنا مواجهة الإرهاب والتطرف بأشكال مختلفة، وتنصيصه على هذه المرتكزات يعد عاملا هاما في التصدي للإرهاب والتطرف تربويا، ومن مصدر تكوين الإنسان، أي المدرسة، ولا يجب أن يبقى هذا الأمر حبيس القانون، بل يجب تفعيله عبر كل الوسائل في الحياة المدرسية، واعتباره ملزما لكل المتعلمات والمتعلمين، وذلك لن يتم طبعا عبر مواد دراسية كالرياضيات والفيزياء رغم أهميتهما في تقوية المنطق العلمي، وهو أمر هام طبعا، لكن هناك مواد محددة تقع على حدود الحرب التربوية على الإرهاب، والحديث هنا عن مواد الفلسفة والتاريخ والجغرافيا، ومواد التفتح، أي التربية التشكيلية والموسيقى والمسرح، وعبر الأنشطة المدرسية الموازية .

تتمة المقال بعد الإعلان

لتبقى التساؤلات الذي تطرح بإلحاح: ما هي الضمانات الواقعية لتفعيل هذا الورش في ظل مجتمع بعقليات تخشى الانفتاح وكل أجوبتها تستند إلى الفقيه بالمعنى العامي للكلمة؟ وكيف نحمي الأستاذ الواقف على خط التماس من غوغاء المجتمع؟ كيف يمكن لصاحب مؤسسة تعليمية خاصة مثلا الحفاظ على الأرباح الاستثمارية وهي حق مشروع دون المساس بهذه المرتكزات الجوهرية في التربية والتعليم؟ كيف يمكن أن يفرمل جاهل يعتقد أنه بتأدية الواجب الشهري يحق له الاعتراض على حصص الموسيقى أو عدم إحضار ابنه لحصة المسرح، وفي أحيان أخرى الحضور لتقديم اعتراض ضد أستاذ مادة الفلسفة؟ هل القانون الإطار يقف على موافقة أولياء الأمور لتفعيله، أم أنه قانون دولة ملزم لمؤسساتها؟ كيف يمكن أن يفهم هؤلاء أنهم يدفعون ثمن الخدمة لا لشكلها القانوني، فتأدية فاتورة الطبيب لا تسمح لنا بأن نكتب وصفة الدواء لأنفسنا؟ وكيف سنحقق الأهداف المتوخاة بقانون موقوف التنفيذ وعليه شرط واقف، شرط ملاءمة القيم المدرسية لجهل العامة وتخلفها ؟

فعندما تتدخل الدولة بسلطتها عبر أجهزتها لحماية الأمن العام والاستقرار، فهي لا تفسح المجال لأي كان أن يقف في وجهها ما دامت هي التعبير الأسمى عن المصلحة العامة والساهر على سلامة المواطنين لكن وفقا للقانون، كذلك المدرسة هي التعبير الأسمى عن القيم التي نريدها للأجيال القادمة، ولها كامل الصلاحية، ولا يحق لأي كان الوقوف في وجهها وهي تسهر على تعليم أبنائنا والسهر على توازنهم الفكري والثقافي وفقا للقانون والتعاقد المدرسي، وحتى أبعد عن نفسي تهمة ما، وفي نفسي أعتقدها من الإيمان بالنسبية في الرأي والفكر، أقول قولي هذا وألحقه بعبارة “والله أعلم”.

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى