بين السطور

بين السطور | ما وراء أسبوع الغدر

بقلم: الطيب العلوي

    تحكي إحدى القصص القديمة، أن رجلا غنياً دعا يوماً حفنة من كبار تجار المدينة إلى بيته، واستدعى معهم واحداً من عِظام المثقفين لعلّه يتحفهم بما لا يعرفون.. وبينما هم مجتمعون لديه حول كل ما لذّ وطاب من لحوم ودواجن(…)، باتوا يتبادلون الحديث عن أخبار السوق وأحوال الناس الذين ظلوا يعانون من غلاء المعيشة(…)، وعن العداوة التي صارت تشتد بين القبائل(…).

ولمّا رفع الخادم الطعام، بعد أن بدت على الحضور علامات النعاس(…)، تفرّغ لوضع الشاي لعلّ نسيمه المنعش يخفف من أنفاسهم الثقيلة، وهو ما حصل وجعل من ذلك الرجل المثقف يحاور الجميع وكأنه يفتتح الجلسة من جديد بعد أن أكل وشرب.. حول كل القضايا الساخنة ومواضيع الساعة، وبدأ في ساعتين من الكلام في السياسة والاقتصاد والفن ونميمة المجتمع(…)، ينتقد هذا، ويصحح لهذا، ويشرح لذاك، أمام صاحب المأدبة الذي لا يتردد هو الآخر في التدخل والكلام خوفا من أن يُتَّهم بالجهل(…)، بينما ظل الخادم هو الصامت الوحيد في الجلسة منشغلا بتوزيع أكواب الشاي الثقيل، جالسا أمامهم ينظر إليهم جميعاً يتكلمون.

وبعد وقت، التفت نجم الجلسة، المثقف الذي أبهر الحضور بخطابه متباهيا باللغات الست التي يتكلمها، إلى الخادم سائلا إياه: “وماذا عنك أنت أيها الخادم؟ بكم لغة تتحدث؟”، فأجابه الخادم: “أنا؟ أستطيع أن أسكت بستّ لغات”، لتكون إجابة الخادم المفعمة بالدهاء، والذي كان هو الرافع والخافض الفعلي لمزاج الجلسة(…)، قد أبهرت الضيوف أكثر من كل ما قيل من قبل.

السكوت، وهو ربما أصبح خير وسيلة يمكننا نحن كمغاربة التسلح بها هذه الأيام، لا سيما بعد “أسبوع الغدر” الذي عشناه مؤخراً.. بين زيارة ماكرون للجزائر وما عرفت من عناق وحفاوة(…)، وما حصل في نفس الأثناء على بعد كيلومترات شرقاً من هناك، بالاستقبال الاستعراضي الذي خصصته تونس العاصمة لأعداء المغرب(…)، والذي مهما كانت الاعتبارات القانونية التي تحاول هذه الأيام مؤسسة الرئاسة التونسية التترّس وراءها لتفسير ذلك، سواء تعلق الأمر بقرار اتخذه قيس سعيد شخصيا أو نقلَه(…)، سيبقى في أذهان المغاربة ذا مفعول عكسي للصورة التي كانت تظهر بها تونس كدولة اعتدال ووسطية وانفتاح ومحافظة على كل العلاقات الطيبة والودية والمتوازنة التي بنتها عبر الزمن مع أشقائها التقليديين من بينهم المغرب.

تتمة المقال بعد الإعلان

إلاّ أن ما لم يترسخ بعد في أذهان المغاربة بعد كل الدروس(…)، أن المبالغة في التنديد والاستنكار بعد حد معين(…)، تصبح لا تسمن ولا تغني من جوع، خصوصاً في مواضيع حساسة وما تحمله من خبايا لا يعرفها أغلب المعلّقين والمستنكرين الذين ينتهي بهم المطاف بالسب والشتم فيما بينهم(…)، حيث يبدأ السيناريو دائما بصيغة الوطنية والدفاع عن المغرب في مواقع التواصل الاجتماعي، وينتهي بالتراشق عبر المراسلات الخاصة.. المؤثرون المغاربة يسبّون زملاءهم المؤثرين المغاربة، والصحافيون المغاربة ينتهي بهم المشوار بسب زملائهم الصحافيين المغاربة، وباقي المعلقين المغاربة، أصحاب “الروشارج”، كذلك فيما بينهم.. والعالم يتفرّج.

اللعبة السياسية التي نتعرّض لها هذه الأيام، جدّ معقّدة، خطوات بدأ يتضح إعدادها ضمن خطة أعدّها الاتحاد الأوروبي من أجل ترميم العلاقات مع دول شمال إفريقيا وفق مقاربة جديدة من نوعها.. والتعبير الأخير لرئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، عن رغبته في زيارة الجزائر، بصيغة جد ناعمة، رغم كونه أفطر لدينا في شهر رمضان الأخير وقدمنا له التمر والحليب، إضافة إلى التسهيلات الجديدة لبعض الدول الأوروبية بالنسبة لتونس فيما يخص منح التأشيرات، وكأنها “كادويات” النجاح في الامتحان، خير دليل على ذلك..

بعد كل هذا، يكون خادم القصة أعلاه، قد صدق بتفعيل حكمة: “أول العلم الصمت والثاني حسن الاستماع والثالث حفظه والرابع العمل به والخامس نشره”.

تتمة المقال بعد الإعلان

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى