المنبر الحر

المنبر الحر | أي مستقبل اقتصادي للصحافة الورقية ؟

بقلم: عبده حقي

    عرفت الصحف في العالم تراجعا مهولا على مدى السنوات العشرين الماضية، حيث انخفض كل مصدر من مصادر دخلها بشكل كبير، من مبيعات الأكشاك والاشتراكات إلى الإعلانات، وقد أدى ذلك إلى إفلاس العديد من مؤسسات الصحف السيارة في جل الدول، وعلى سبيل المثال في الولايات المتحدة الأمريكية، الرائد العالمي في صناعة الإعلام، قامت كل من “واشنطن بوست” و”نيويورك تايمز” و”وول ستريت جورنال”، بفصل مئات الصحفيين والموظفين في محاولة منها لتخفيض التكاليف، ورغم ذلك لم تكن هذه التغييرات الهيكلية كافية لاستعادة بعض الأرباح المشجعة، إذ عرفت “نيويورك تايمز” مثلا انخفاضا في الأرباح السنوية بنسبة 26 %.

لقد باتت القوى التي تنشط هذه الصحف معقدة، غير أن السبب الحقيقي – في رأيي – هو أن العمل الصحفي المنظم وفق نموذج اقتصادي ناجح، كان مربحا جدا عندما كانت الصحف الورقية هي الوسيلة الوحيدة لمصادر الأخبار، لكنها من جهة أخرى كانت تعيش حالة من الضعف والهشاشة في مواجهة كل أشكال المنافسة الراهنة والقادمة في المستقبل.

إن الأخبار والمعلومات باعتبارهما منتوجا “استهلاكيا” إعلاميا، كانت لهما ميزتان اقتصاديتان مهمتان: أولا، كونهما أخبارا موثوقا بها، مما يعني أنه بمجرد نشرها يمكن لأي شخص توظيفها بكل اطمئنان ووثوق، ثانيا، إذا كانت تكاليف المراسلين مكلفة لجمع المعلومات وتوزيعها، فقد بقيت هي نفس التكاليف بغض النظر عن كثافة المعلومات التي يتم إنتاجها.

تتمة المقال بعد الإعلان

وقبل أن يصبح التلفزيون مصدرا منتظما للأخبار المختلفة لدى الجمهور، كانت الصحف الورقية تعاني من ثغرة بسبب عامل المواكبة المرافقة لعجلة الأخبار، في حين أنه إذا لم يكن باستطاعة الصحف منع أحد منافسيها كالمذياع والتلفزيون، من نشر خبر عاجل، فإن تأخرها بيوم واحد فقط في نشر نفس الخبر يكون ربحا كافيا لهذا المنافس أو ذاك على حساب الصحف الورقية.

علاوة على ذلك، ونظرا لأن تكاليف التوزيع تكون هي نفسها بغض النظر عن كثافة المعلومات المنشورة في كل صفحة، فقد يظهر هناك نزوع نحو الاحتكار بمجرد أن تنشئ صحيفة ما شبكة للتوزيع، كما تكون للتكاليف الثابتة لتوزيع المعلومات أثار جانبية أخرى، حيث تصبح الصحف وسيلة فعالة جدا لتوزيع الإعلانات المبوبة، لأن تكلفة إدراجها في الصحيفة تكون منخفضة، وعلى غرار ذلك، أصبح تضمين الإعلانات أمرا مربحا جدا، نظرا لأن التكلفة الإضافية لتضمينها تكون منخفضة جدا، ولا تزال الإعلانات المبوبة والمجزأة تشكل 80 % من عائدات صناعة الصحف.

لقد أدى تعاظم دور الأنترنيت إلى تغيير هذا الوضع الاقتصادي تماما، ولم يعد بإمكان الصحف أن تكون أكبر المستفيدين من نشر الأخبار، حيث بمجرد أن تنشر صحيفة ما خبرا جديدا يمكن لشبكات الأخبار الأخرى والمدونين التحرك بسرعة لتغطية نفس الخبر، وبالتالي، انتقال الكثير من أرباح العمل الشاق للصحفيين الورقيين والمراسلين إلى لاعبين جدد في الميدان.

وفضلا عن ذلك، أصبح التعامل مع الإعلانات المبوبة بشكل أكثر فاعلية من خلال الخدمات عبر الأنترنيت، حيث بدأ معلنو الصحف ينجذبون عن طريق شبكات الإعلانات عبر الأنترنيت والتي وعدت باستهداف إعلانات المحتوى، مما أدى إلى انخفاض كل من التداول والإيرادات في السنوات الأخيرة.. فقد انخفض التوزيع بأكثر من الثلث منذ منتصف التسعينيات، بينما انخفضت عائدات الإعلانات لكل تداول بنسبة 20 % في السنوات العشر الماضية، وكانت النتيجة مؤخرا هي أن الصناعة الصحفية شهدت انخفاضا في إيراداتها بمقدار النصف.

تتمة المقال بعد الإعلان

ومما لا شك فيه، أن العمل الصحفي المهني يعرف الآن تراجعا ملحوظا بسبب طوفان الأخبار المتاحة لجميع الأطراف المهتمة أكثر من أي وقت مضى، إذ مكّنت الأنترنيت من خلق ما يسمى بـ”صحافة المواطن” إلى حد أنه كان أمرا مستحيلا فيما قبل، كما أن الأنترنيت لعبت دورا هاما في إلغاء الوساطة في العديد من الصناعات، حيث تم استبدال وكالات الأسفار والمكتبات بمواقع إلكترونية ألغت جميع أشكال الوسطاء، ونفس الواقع حدث في عالم الأخبار، حيث يقوم الكثير من الصحفيين بجلب العديد من الناس ليقرأوا أعمالهم بصرف النظر عن فضاء نشرها، لهذا السبب نرى كيف تعرض بعض المواقع صورا لكتاب الأعمدة المشهورين بشكل بارز، في حين أن الأعمدة الثانوية في صحيفة عريقة صغيرة جدا.

لذلك، باتت شركات صناعة الأخبار تشعر بالقلق، لأن معدل الوقت الذي يقضيه القارئ الزائر لأي موقع إلكتروني إخباري في أي يوم، هو فقط خُمُس ما قد يقضيه في قراءة الصحيفة الورقية، وبالتالي، فإن مستهلكي الأخبار لم يعودوا يختارون الورقة، بل إنهم يتنقلون إلى أي فضاء رقمي إخباري يجدون فيه المعلومات التي يريدونها أو الصحفيين الذين يتابعونهم، ونظرا لتوفر إمكانية الوصول إلى الأخبار من مكان العمل والأجهزة المحمولة، فقد يقضي القراء في الواقع وقتا أطول في قراءة الأخبار اليوم أكثر مما كانوا يقضونه قبل عشر سنوات، ونظرا أيضا لتفوق استهداف الإعلانات على الأنترنيت مقارنة بالمساحة الورقية، فقد ترتفع عائدات الإعلانات الإجمالية من الأخبار على الرغم من أنه من المحتمل أن تذهب الكثير من الفوائد إلى المراسلين بدلا من الصحف.

لهذه الأسباب، لا داعي للخوف كثيرا من اختفاء الصحافة الورقية، يقينا أن شكلها سيتغير جذريا خلال السنوات القليلة المقبلة، وبالتالي، من المحتمل أن تكون النتيجة محتوى غنيا ومتاحا لعدد أكبر من القراء.

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى