المنبر الحر | قراءة في زيارة الرئيس الأمريكي جو بايدن للسعودية

وزير سابق وأستاذ التعليم العالي
يبدو أن السياسة الدولية التي سادت بعد الحرب العالمية الثانية، وما تلاها من تحولات جيوسياسية بعد انتهاء الحرب الباردة، وظهور القطب الواحد في السياسة الاقتصادية، وما تبع ذلك من عولمة اقتصادية جعلت العالم يشترك في استهلاك الطاقة والغذاء ومعظم المنتوجات الصناعية الاستهلاكية، كل هذه الأحداث بدأت تتغير نحو تشكيل سياسات دولية جديدة مبنية على موازين القوى الاقتصادية بدل القوى العسكرية، كما أن عودة روسيا من بوابة سوريا، وغيرها من الدول التي لها مصلحة مشتركة، تؤكد وجود تشكل سياسات دولية جديدة، لكن الجديد في هذا الموضوع، هو أن القوى الاقتصادية لم تعد مقتصرة على الدول الصناعية الكبرى G7، وإنما أصبحت تتجسد في الدول التي تملك مصادر الطاقة والغذاء، وقد ظهر ذلك جليا في الأثار الاقتصادية التي ظهرت أثناء الحرب الروسية الأوكرانية، وبالتالي، نجد أن دول الاتحاد الأوروبي مجتمعة أصبحت تحت رحمة روسيا، لاستيراد الغاز، وتقوم بحرب عسكرية غير مباشرة ضدها، كما أن العالم أصبح مهددا بالأمن الغذائي بعد توقف صادرات القمح من أوكرانيا، بل إن دول G7 اجتمعت عدة مرات منذ بداية هذه الحرب، ولم يجدوا حلا أو بديلا عن الغاز الروسي، مما جعل عملية التحكم السياسية الاقتصادية الدولية تصبح خارج الحدود الجغرافية لأوروبا، وخارج الولايات المتحدة الأمريكية، وسأعطي هنا مثالا واضحا لدولة عربية أصبحت تتحكم في السياسات الاقتصادية الدولية وتؤثر فيها بقوة، وهي المملكة العربية السعودية، التي بإمكانها حاليا إنتاج نحو 13 مليون برميل فأكثر، وهي الدولة الوحيدة التي تتحكم في سعر البترول من خلال التحكم في زيادة إنتاجه أو تحفيظه حسب ما تراه مناسبا لمصالحها، علما أنها كانت تقوم بدور التوازن في الأسواق الدولية بخصوص أسعار النفط، لكنها لم تكن تستخدم هذا النفوذ الاقتصادي الذي يتحكم في نمو العديد من بلدان العالم، منها دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، ودول كثيرة أخرى، لكن سياسات أمريكا تجاه السعودية في كثير من المحطات والمناسبات، كانت تتجاهل قوة ونفوذ السعودية، وبمجرد تغيير السعودية لسياساتها الداخلية والخارجية كأكبر دولة مصدرة للنفط في عهد الملك سلمان وولي عهده محمد بن سلمان، جعل العديد من دول العالم تغير سياستها تجاه المملكة السعودية، وعلى رأسها الولايات المتحدة رغم الهجومات الأمريكية على السعودية من طرف حزب الديمقراطيين ومن يدور في فلكهم، ويبدو حاليا أن صناع القرار الأمريكان اقتنعوا بعد الأحداث الدولية التي يعرفها العالم، أن السعودية قوة اقتصادية، وجزء من القوى الدولية، وتتحكم في نمو اقتصادات العديد من دول العالم إن لم يكن للعالم كله، وهذه حقيقة أكدتها الدراسات والأرقام والتصريحات قبل قدوم الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى السعودية، وبالرغم من الانتقادات التي واجهتها السعودية من قبل بعض الدول الأوروبية والولايات المتحدة، ومن بعض دول الشرق الأوسط وتحديدا من تركيا، إلا أن الجميع يهرول الآن نحو إعادة العلاقات مع السعودية، التي لا شك أنها خرجت قوية ومتماسكة داخليا بفضل الحكمة والسياسة الجديدة التي تتبعها في جميع المجالات، وخصوصا الإصلاحات السياسية والاقتصادية التي اتبعها ولي العهد محمد بن سلمان، والتي كانت ضرورية لضبط الأمن والاستقرار في دولة تنتج أكبر كمية للطاقة في العالم.
لقد كان الحديث عن زيارة رئيس الولايات المتحدة إلى السعودية شبه مستحيل قبل أربع سنوات، لكن الآن، أصبحت الزيارة مهمة ليس للسعودية فقط، وإنما مهمة كذلك لأمريكا أكثر.
وتأتي زيارة جو بايدن إلى السعودية في ظل ظروف اقتصادية صعبة يمر منها العالم، وفي ظل حرب فرضت على أوروبا من قبل روسيا بدون معرفة تاريخ انتهائها، وما يمكن أن تصل إليه، وحسب التحليلات، فإن هذه المرة ستكون الولايات المتحدة الأمريكية هي التي ستطلب من السعودية، وليس العكس، حيث ستطلب الرفع من إنتاج النفط، وستطلب من السعودية الانخراط في تحقيق السلم في السعودية وفق الاتفاقيات المبرمة، أما السعودية فستطلب احترامها لسياستها الداخلية والخارجية، لأنه بفضل الإصلاحات التي تمت، أصبح الاقتصاد السعودي يتطور بسرعة، ويتوسع في مجالات أخرى خارج إنتاج النفط، ويوفر فرص عمل للشباب السعودي، ويبدو أن الدولة بالرغم من علاقتها الجيدة مع الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الغربية، إلا أنها وسعت علاقتها مع دول الشرق مثل الصين وروسيا والهند، ويمكن أن نعود في قراءتنا لهذه الأحداث لما بدأنا به، وهو إعادة توزيع القوى الاقتصادية في العالم جيواقتصاديا، والسعودية أصبحت جزء من هذه القوى، لتحكمها في موارد الطاقة.
وللإشارة، فقد أدركت السعودية أن الولايات المتحدة الأمريكية تبني صراعات في الشرق الأوسط، وتترك المنطقة في فوضى دون الحسم فيها، مما جعل دول الخليج تتكبد خسائر كبيرة، ونتائج إيجابية قليلة، مما أدى بها إلى إبرام اتفاقيات عسكرية مع دول أخرى، وتبقى زيارة الرئيس الأمريكي للسعودية حدثا تاريخيا جديدا بالنسبة للسعودية والولايات المتحدة على السواء، ويمكن أن تخلق تعاونا جديدا برؤية استراتيجية مشتركة لمصلحة البلدين في أفق تحولات اقتصادية وجيوسياسية لا تخلو من صعوبات ومخاطر.



