تحليل إخباري

تحليل إخباري | استمرار صراع الغرب وروسيا يضع المغرب في قلب حسابات معقدة

حرب أوكرانيا قد تنتهي بتدمير أوروبا

ينقسم المحللون اليوم وراء إحدى النظريتين اللتين تتجاذبان العالم، إما الإيمان بأمريكا كقوة مهيمنة على العالم، ولا مفر منها، وإما الاعتقاد بالقوة العالمية الصاعدة، الصين ومعها روسيا وغيرها من الدول التي تسعى إلى وضع حد لعالم يسود فيه “الطغيان الأمريكي”..

 

إعداد : سعيد الريحاني

 

    في الحالة الأولى (التوجه نحو أمريكا)، ستجد نفسك مرغما على الاعتراف التلقائي بإسرائيل والتعامل معها، وكذا مسايرة الرغبات الأوروبية التي لا تنتهي في الحصول على المواد الخام، والخيرات البحرية، أما في الحالة الثانية، فستجد نفسك كعضو نشيط في “محور الممانعة” الكبير، ومن عناوين هذا التوجه، رفض التعاطي مع إسرائيل، والتشبث بالنظريات الصينية كطريق للخلاص، وهي الوصفة الأقرب إلى المنطق..

بالنسبة لدولة مثل المغرب، حيث تدنى مستوى القراءة إلى الحضيض، وحيث ينتشر “الفكر التبريري” (من المبررات)، وحيث تغيب التحاليل الرصينة مقابل انتشار فاضح للتفاهة على مواقع التواصل الاجتماعي، لم تظهر كثير من التحليلات التي تأخذ على محمل الجد أبعاد الحرب بين الغرب (ممثلا في أوكرانيا) وروسيا، لذلك، لا زال بعض الناس يحتفلون بشكل أعمى بالتصريحات الأمريكية التي تغازل القضية الوطنية بين الفينة والأخرى(..).

المصطفى كرين

    ومن محبرة القلق من المستقبل، يتساءل الباحث المتخصص، المصطفى كرين قائلا: ((بعد أيام، ستنعقد في بكين دورة أخرى لدول منظمة “بريكس” BRICS، والتي تتكون حاليا من الصين وروسيا والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا، وعلى أجندة هذه الدورة ستطرح بقوة مسألة توسيع المنظمة وفتحها أمام أعضاء جدد، مع إعطاء الأسبقية لدول “20 G”.. ومن بين الدول المرشحة للالتحاق بهذه المنظمة التي ما فتئت تزداد قوة، هناك أولا أندونيسا، ولكن هناك كذلك الأرجنتين وكازاخستان والتايلاند، غير أن ما يثير الاهتمام بالنسبة لنا، هو ترشيح كل من السعودية والإمارات ومصر والسينغال ونيجيريا.. والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن: لماذا يتجاهل المغرب الاهتمام بهذه التكتلات التي تعتبر على درجة كبيرة جدا من الأهمية بالنسبة لنا؟ ولماذا يختزل المغرب العالم في باريس وواشنطن وتل أبيب؟ ولماذا يضيق المغرب على نفسه مساحة المستقبل.. بينما تسارع دول مثل الإمارات والسعودية ومصر إلى فتح آفاق جديدة؟)).

الباحث نفسه، وهو الذي انتخب مؤخرا رئيسا لمركز الدراسات آسيا الشرق، تساءل قائلا: ((لماذا يتجاهل المغرب أن انضمام الجزائر مثلا لهذه المنظمة قد يتسبب في بلورة جبهة أخرى مناهضة لطموحاته السياسية والاقتصادية إقليميا ودوليا، خصوصا مع سعي دول مثل نيجيريا ومصر، إلى التنسيق مع جنوب إفريقيا وتعميق تعاونها مع كل من الصين وروسيا في القارة الإفريقية، وتشكيل كماشة قد تسحق مصالح المغرب؟ هل نحن أقرب إلى أمريكا مثلا من الخليج العربي ومصر، أم أننا رهينة لوبيات سياسية تخنق كل تطلع وطموح لدينا؟))، (نفس المصدر).

بين روسيا، وأمريكا، والجار العدو (الجزائر)، يتعين على المغرب إذن، استعمال أدوات الجراحة الدقيقة لفهم المستقبل، والنجاة بنفسه من الدوامة التي تهدد بسحق دول كبرى، فالحرب الروسية الأوكرانية قد تنتهي بالقضاء على أوروبا كاملة فما بالك بدول صغيرة.. وقد تأكد فعلا مع طول مدة العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، وعدم قدرة حلف “الناتو” على التقدم بأي خطوة نحو روسيا، باستثناء الدول الغربية التي اختارت تقديم مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بطريقة غير مباشرة لتجنب الحرب مع روسيا، تأكد أن الرئيس فلاديمير بوتين لا يلعب، ولا يمكن أن يقبل بأي هزيمة في هذا الملف الذي سينتهي حتما بالقضاء على أوكرانيا، التي تم التغرير بها في هذه المواجهة.. ((فالمشكل الحقيقي هو أن الغرب يلح على إطالة أمد هذه الأزمة، ويساعد أوكرانيا بكل الوسائل المتاحة لكي تنتصر في هذه الحرب، وبهذه الطريقة، في التدخل في الشؤون الأوكرانية، لا يترك الغرب أي إمكانية لبداية مفاوضات سلمية حقيقية.. والمفارقة الكبرى هي أن أوروبا لا تعي التهديد الحقيقي والخطورة الفعلية لهذه الحرب عليها، ذلك أن أمريكا لا تتضرر مباشرة من هذه الحرب لأنها بعيدة جغرافيا عن روسيا، ولأن فاتورة هذه الحرب ربما تدفع بالكامل من طرف الأوروبيين أنفسهم.. علاوة على هذا، فإن التهديد الحقيقي حتى وإن كان محتملا فقط، فأي استعمال للسلاح النووي، فهو يهم الأوروبيين على الخصوص، لأن مخاطر حدوثه ستكون لها عواقب جد وخيمة في أوروبا، سواء على صعيد الضحايا في الأرواح، أو المساس بالبيئة والخيرات الطبيعية التي قد تذهب سدى إذا حدث اشتباك نووي..)) (المصدر: حوار مع الفيلسوف النمساوي هانس كوكلر/ عن جريدة الأيام، 23 يونيو 2022).

الفيلسوف النمساوي هانس كوكر

الخلاصة حسب نفس الباحث، هانس كوكلر تقول: ((بالمقارنة مع الحروب التي عرفتها البشرية من قبل، وكما قلت في وقت سابق، فإن الخطر الحقيقي على الرغم من أن كثيرا من المحللين يستبعدون ذلك، هو استعمال السلاح النووي، وإذا حصل ذلك، فإن ساحة المعركة ستكون هي أوروبا، والنتيجة الحتمية لذلك ستكون هي التدمير الكامل لأوروبا وربما تنحيتها بالمرة)) (نفس المصدر).

هكذا يتوقع الخبراء إمكانية انتحار أوروبا في معركتها مع روسيا، باعتبارها “ساحة معركة”، لكن أين المغرب في كل هذا؟ وهنا يمكن العودة إلى التساؤلات المقلقة التي طرحت في البداية، ليكون أكثر الأجوبة قلقا، هو أن المغرب اختار تنظيم النسخة 18 من مناورات “الأسد الإفريقي” في ظل كل هذه الأحداث، بل إن الصحافة العالمية كتبت أن التعاون العسكري بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية، عبارة عن تعاون عسكري برسائل سياسية..

وكانت الصحف والمواقع قد كررت القصاصة التي تتناول تنظيم أكبر مناورات عسكرية في إفريقيا، حيث قالت: ((انطلقت في المغرب مناورات “الأسد الإفريقي 2022” العسكرية، بمشاركة أكثر من 7 آلاف جندي من المغرب والولايات المتحدة الأمريكية، وعدد من الدول الأخرى من بينها فرنسا وبريطانيا وإيطاليا وتونس وغانا وحلف الناتو، وتقام المناورات العسكرية، التي تعتبر الأهم على المستوى الإفريقي، للمرة الثانية على التوالي بمنطقة المحبس جنوبي المملكة، منذ اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على كامل أراضيه في 10 دجنبر 2020، ومن المرتقب أن تشمل هذه المناورات، التي تستمر إلى غاية 30 يونيو الجاري، مدن أكادير وتارودانت وبن جرير وطانطان والقنيطرة، بمشاركة 10 بلدان إفريقية ودولية، بما فيها المغرب والولايات المتحدة، حسب معطيات القوات المسلحة الملكية المغربية..

ودأب المغرب، منذ سنة 2007، على احتضان تدريبات “الأسد الإفريقي”، وهو تدريب عسكري ضخم متعدد الجنسيات ينظم بشراكة بين القيادة الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم) والقوات المسلحة الملكية)) (عدة وكالات ومواقع).

ولأن مناورات “الأسد الإفريقي” تحمل رسائل سياسية، أقلها ابتعاد المغرب عن المعسكر الروسي والصيني(..)، فالرسالة القادمة من الجزائر كانت مضحكة بالنظر إلى حجمها، فبينما نظم المغرب مناورات “الأسد الإفريقي” كانت الجزائر قد سبقت هذا الحدث بمناورات عسكرية بالذخيرة الحية في تندوف وكأنها تهديد للبوليساريو(..)، وكتبت وسائل الإعلام عن هذه المناورات الصغيرة مقارنة مع “الأسد الإفريقي”، ما يلي: ((نفذ الجيش الجزائري مناورات “الصمود 2022″، التي وصفت بالضخمة، وكانت الثالثة في أقل من شهر.. وليلة الإثنين الماضي، أجرى الجيش الجزائري مناورات عسكرية برية شاركت فيها مختلف القوات والأسلحة البرية والجوية بالمنطقة العسكرية الثالثة وتحديدا في محافظة تندوف الواقعة في الجنوب الغربي، وبإشراف ومتابعة مباشرة من قائد أركان الجيش الجزائري الفريق السعيد شنقريحة.

وأكدت وزارة الدفاع الجزائرية في بيان لها، أن “المناورات تأتي تنفيذا لبرنامج التحضير القتالي لعام 2021/2022 على مستوى الوحدات الكبرى للجيش الوطني الشعبي المنتشرة عبر النواحي العسكرية الـ 6″.. و”الصمود” ثالث مناورات عسكرية ينفذها الجيش الجزائري في أقل من شهر، بعد كل من “إعصار” البحرية و”ردع” البرية والجوية، التي تم تنفيذها نهاية الشهر الماضي)) (المصدر: وكالات).

هذه هي الجزائر، ولا يمكن إخراج هذا التصعيد العسكري من جهتها عن سياقه، وهو نفس السياق الذي يجعل ميليشيات البوليساريو تواصل خرق اتفاق وقف إطلاق النار، واستفزاز الجيش المغربي، ولكن بلدا “انتحاريا” مثل الجزائر، لا يمكن التنبؤ بتصرفاته، خاصة مع الإصرار من طرف بعض الجهات(..) على إفساد العلاقات المغربية الروسية.

الجزائر، التي قطعت علاقاتها مع المغرب من جانب واحد، وبشكل هستيري رغم أنها المتضرر الأول من ذلك، هي نفسها التي ألغت معاهدات الصداقة والتعاون مع إسبانيا، وقد كان لافتا للانتباه أن وزيرة الاقتصاد الإسبانية، ناديا كالفينو، قد قالت بأن الجزائر تنحاز بشكل متزايد إلى روسيا، وبأنها لاحظت تقاربا متزايدا بين البلدين خلال اجتماع الربيع لصندوق النقد الدولي منذ أسابيع، وقالت أيضا أنها لم تفاجأ بتعليق الجزائر لاتفاقية الصداقة الثنائية التي كانت تربطها بإسبانيا (الاتفاق يعود لـ 20 عاما).

ففي ظل التوتر والحسابات المعقدة، ((روجت وسائل إعلام جزائرية، بناء على مصادر في وزارة الدفاع، خبر توقيع صفقة عسكرية لشراء ما يقارب 14 مقاتلة من نوع “Su-57” من روسيا بقيمة تقارب ملياري دولار.. ومنذ إعلان موسكو عن تطوير مقاتلة “سوخوي 57 – الشبح” ودخولها مرحلة الاقتناء، ومصادر جزائرية تروج أن الجزائر ستكون أول زبون أجنبي للطائرات الجديدة بعد أن دخلت الإنتاج في يوليوز 2019، فيما لم تتحدث شركة “سوخوي” عن أي صفقة رسمية مع الجزائر عكس ما يتم تداوله بين الفينة والأخرى في المواقع الجزائرية التي أعلنت أن الصفقة جرى توقيعها بشكل رسمي)).

جانب من أشغال المنتدى الإفريقي للمستثمرين السياديين

بين “الناتو” والحرب الأوكرانية والتقارب الروسي الجزائري.. يبقى على المغرب إجراء حسابات دقيقة تضمن سيادته كبلد إفريقي، وهذا ما عكسته عمليا رسالة الملك محمد السادس إلى المشاركين في مؤتمر إطلاق المنتدى الإفريقي للمستثمرين السياديين، حيث قال: ((على إفريقيا أن تقول كلمتها وتأخذ زمام مصيرها بيدها، وتتبوأ المكانة اللائقة بها، كما يجب أن تتغير نظرة بقية العالم إلى إفريقيا بصفة كلية.. أليست هي قارة القرن الحادي والعشرين؟ فهي التي ستمثل شعوبها، المكونة أساسا من شباب مبدعين، ربع سكان العالم في أفق العام 2050، وهي القارة التي ستشكل سوقا لأكثر من 1.2 مليار شخص وناتجا محليا تراكميا يفوق 3.400 مليار دولار عند تفعيل منطقة التبادل الحر القارية الإفريقية)) يقول الملك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى