المنبر الحر

المنبر الحر | المسار الصعب للإصلاح في العالم العربي (2)

بقلم: بنعيسى يوسفي 

    إن مسار الإصلاح في العالم العربي – للأسف – لا نجد له صدى في المجتمعات العربية التي وإن قلبنا ديمقراطيتها المعطوبة، نجد أن هناك خصومة تكاد تكون أبدية بين المثقف والسلطة، وبالتالي، تجد أنظمة حاكمة تحكم بدون أي مرجعية ثقافية، ما يعني أن وجود الثقافة من عدمه لا يؤثر بأي شكل من الأشكال على طبيعة ونوعية الحكم، وإذا كان من الصعوبة بمكان الحديث عن مشروع فكري سياسي حقيقي يمكن أن يكون حصان طروادة لانتشال المجتمعات العربية من براثين التخلف دفعة واحدة بناء على تلك المبررات التي سقناها سالفا، وإذا أضفنا إليها هذه العلاقة المتوترة بين المثقف وسلطة بلاده في الوطن العربي التي يبدو أنها لن تعرف انفراجا في الأفق المنظور على الأقل، يكون المشهد قد اكتمل، وتكون خيوط الأمل في تغيير يكون المثقف هو حجر الزاوية وقطب الرحى فيه، قد تبددت وانفرط عقدها، وإذا كانت الأمور ثابتة على هذا الحال، فإن هذا لا يعني أننا سننتظر حتى يتبلور مشروع فكري سياسي جديد يقوم بهذه المهمة، أو حتى تستقبل الأنظمة العربية الحاكمة في العالم العربي المثقف العربي بالأحضان إيذانا بدخول عهد التطبيع بينهما، ولذلك، بات من الضروري البحث عن مداخل ومبادرات أخرى لتحقيق الإصلاح والتغيير المنشودين دون أن يكون ذلك على شكل مشروع، فليس الأمر ضروريا إلى هذه الدرجة، على اعتبار أن الإصلاح سيرورة تراكمية، وما تم الوصول إليه إلى حدود اليوم من مكاسب على مستويات عدة في عدة مجتمعات عربية، فسرعة الإصلاح تختلف من قطر إلى آخر، ولذلك فإن بناء فكر وفلسفة جديدين أكثر عقلانية وقادرين على استيعاب كل هذه المتغيرات والتحولات الجوهرية التي تشهدها المجتمعات العربية والإسلامية، من شأنهما أن يضعا لبنات حقيقية لثقافة جديدة تنويرية قادرة على بلورة أجوبة لمختلف الإشكالات والمعضلات التي تتخبط فيها هذه المجتمعات، بمعنى أننا نحتاج إلى تأسيس أرضية جديدة تستمد مقوماتها من حركة ثورية على مستوى العقل، على غرار ما وقع في عصر الأنوار، كما يذهب إلى ذلك المفكر الكبير محمد أركون، من شأنها المساعدة أولا في التخلص من الهزيمة الذهنية والروحية التي عمرت لسنوات طوال، والتي جعلت المواطن العربي يعيش إهانة مزدوجة: إهانة ذاتية وإهانة خارجية، فالإهانة الذاتية نابعة من فشله في خوض معارك حقيقية وشجاعة يمكن أن تشكل نقطة تحول في مساره الفكري والسياسي والثقافي، وبناء وعي جديد ومتجدد يستطيع معه التأقلم مع كل التطورات والتحولات التي تقع من حوله في إطار عولمة ثقافية وفكرية وتكنولوجية لا ترحم، وبالتالي، تحقيق غاياته وطموحاته المشروعة في العيش الكريم في مجتمع ديمقراطي تحترم فيه الحقوق والواجبات، ولعل ما يساهم في هذه الإهانة بشكل كبير، ما يسميه المحلل النفسي، التونسي فتحي بن سلامة، صاحب كتاب: “الإسلام والتحليل النفسي”، بـ”قوى المتعة في الحكم”، ويقصد بها “النخبة السياسية المشاركة في الحكم، وكذلك النخبة المثقفة المساعدة لها”، أي ما يطلق عليه “مثقف السلطان”، وهو بالمناسبة لا علاقة بينه وبين المثقف الذي تحدثنا عنه سابقا، هذه النخبة التي تضطلع بمسؤولية تبرير كل الممارسات السياسية التي تصدر من الطبقة الحاكمة وإضفاء شيء من المشروعية عليها وتسويغها ومحاولة إقناع الطبقات الاجتماعية بمضمونها ومراميها..

لنخلص إلى القول أن أولى محطات الإصلاح وبأقل الخسائر والأضرار، تبتدئ من إصلاح منظومة الحكم في هذه المجتمعات العربية، والاستفادة بشكل عادل وديمقراطي لأبنائها من ثروات بلدانهم وتمكينهم منها، وبالتالي، نكون قد بددنا خيوط الهزيمة ورفعنا نقاب “الإهانة” كما كان يسميها المهدي المنجرة في كتابه: “زمن الذلقراطية”، هذا هو جوهر الإهانة الداخلية وهي إهانة يساهم في تشكيل خيوطها المواطن العربي نفسه، المستكين العاجز عن المساهمة في التغيير الفاقد للقدرات والإمكانيات الثقافية والسياسية والعلمية المفضية إلى ذلك، والذي تخلى عنه المثقف طوعا أو كرها واعتباره ورقة انتخابية فقط بالنسبة للأحزاب السياسية الذي تخطب وده كلما اقترب استحقاق انتخابي، والذي لم يستطع تجاوز الكبوة الحضارية المفروضة عليه والتي ولدت لديه إحباطا نفسيا تجاوزه يتطلب ردحا من الزمن، وفي الجهة المقابلة، أنظمة حكم لا تراودها أي فكرة على مستوى التغيير وبناء المجتمع الديمقراطي بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ولا تشتغل على الأقل في إصلاح نفسها من الداخل لتتجاوب مع طموحات المجتمعات.

أما بخصوص الإهانة الخارجية، فهي تلك القادمة من القوى الغربية التي لا زالت تعتبر نفسها وصية على المواطن العربي، ولا زالت تعتبره متخلفا وغير ناضج، ويحتاج إلى تحضر وكأنها بذلك تريد أن تذكرنا بتلك المقولة الشهيرة التي أسست عليه مشروعها الاستعماري في القرن الماضي، وهي أن استعمارها للعديد من دول الجنوب ومنها الدول العربية والإسلامية، لم يكن إلا من أجل نقلها من عالم البداوة والتخلف إلى دائرة التمدن والتطور والتحضر، بينما الهدف الحقيقي هو استنزاف الثروات الطبيعية التي تزخر بها هذه الدول، كما تعتبره أيضا كائنا خلق للاستهلاك والانصياع والتبعية لها في كل شيء، ولا ترى فيه إلا يدا عاملة رخيصة تستغلها في مشاريعها الاستثمارية في مختلف مناطق العالم العربي أو على تراب هذه الدول نفسها.

تتمة المقال بعد الإعلان

إن هذه القوى الغربية تعمل ما في وسعها للحفاظ على مصالحها الكثيرة في هذه المجتمعات والتي عرفت كيف تؤسس لها منذ أن سلمت لها مفاتيح استقلال منقوص كرس تبعية وهيمنة كبيرتين عليها، حتى قيل أن الاستعمار خرج من الباب وعاد من النافذة، والضحية رقم واحد هو المواطن العربي الذي يهان نتيجة إحساسه الدائم بأنه يعيش في بلده الأصلي الذي رأى فيه النور، لكن مستقبله مرتبط بقوى أخرى هي التي تحدده له كما تريد لكون بلاده ليست مستقلة أو حرة في اتخاذ القرارات المهمة اقتصادية وسياسية بالخصوص، لارتباطها الوثيق بهذه القوى المهيمنة، التي تكبلها باتفاقيات ومعاهدات تكرس في مجملها سياسة الكيل بمكيالين.

انتهى

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى