المنبر الحر

المنبر الحر | معضلة القراءة ببلادنا.. تساؤلات وحلول

بقلم: ذ. الحسن العبد

    وضعية القراءة ببلادنا،وبكل الوطن العربي، وضعية دراماتيكية،وقد ساهمت عدة عوامل وأسباب في تعميق أزمة القراءة،وخاصة ما نشهده اليوم من تغيرات جوهرية وتحولات عميقة،في ظل سيادة الوسائل الإلكترونية ومزاحمتها للكتاب الورقي.

إننا فعلا في زمن أصبح فيه تدفق المعلومات كبيرا وولوجها سهلا جدا، إلا أن المجتمع بمختلف فئاته، يعاني نفورا شديدا من فعل القراءة،بالإضافة إلى عوامل سيطرة الثقافة الشفوية وغياب تقاليد القراءة وهيمنة الإعلام السمعي والبصري.

إن القراءة تتحسر اليوم، والمشكلة ليست في الطبع والنشر والتوزيع بطبيعة الحال،فالقراءة كانت جاذبة في وقت ما، أي في مرحلة الستينات والسبعينات والثمانينات من القرن الماضي، على سبيل المثال، وإنما كانت كذلك، كما يقال،لأن هنالك كتابة جاذبة، واليوم لم يعد المواطن يهتم بقراءة الكتبولا حتى المجلات والجرائد بشغف ومتعة كما كان عليه الحال من قبل.

تتمة المقال بعد الإعلان

وفي هذا المضمار،يقول شهبي إدريس،كاتب ومدير موقع:”مما لا شك فيه، أن القراءة تلعب دورا مركزيا في تطوير القدرة على التواصل والتحليل وإنتاج مجتمع متحضر وواع بمسؤولياته، مجتمع مثقف ومدمن شر إدمان على أكل صفحات الكتب وملء خزانه المعرفي بمعلومات، والانفتاح على ثقافات أخرى من شأنها العلو بالإنسان الذي سيصبح – دون شك – قادرا ومؤهلا للانخراط في دينامية المجتمع وفي تقدمه وفي حركيته وصيرورتها”.

لكن، وللأسف الشديد، تجد الآن قلة من الناس من يواظبون على القراءة والمطالعة، ويحق لنا التساؤل قصد تجاوز هذه الوضعية المزرية،للنهوض بالفعل القرائي: كيف يمكننا إنعاش مجال القراءة ومجالسة الكتاب؟ وما هي الاقتراحات لإيجاد حلول لمعضلة القراءة؟

أولا، يجب التحفيز على فعل القراءة بخلق أجواء ملائمة للصغار وللكبار على السواء، تساعد على مباشرة هذا الفعل،فمثلا توفير مكتبات ملائمة بالأحياء الكبيرة تتضمن قاعات للمطالعة بمختلف مراكز التكوين، من شأنها أن تحبب القراءة للجميع،ثم لماذا لا يتم التفكير في إجراء مسابقات فكرية وأدبية تتخللها جلسات ثقافية وتوزيع للجوائز المستحقة؟

يجب ترسيخ عادة القراءة كإجراء يومي، كما يلزمنا تحفيز الناشئة على فعل القراءة بكل الوسائل المتاحة، ولنا في مسابقة “تحدي القراءة العربي”، الذي هو أكبر مشروع عربي أطلقه الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، لتشجيع الطلاب في العالم العربيعلى القراءة،عبر التزام أكثر من مليون طالب بالمشاركة بقراءة خمسين مليون كتاب خلال كل عام دراسي، أحسن مثال على تحفيز القارئ العربي،وإحداث نهضة في القراءة عبر وصول مبادرة “تحدي القراءة العربي” إلى جميع الطلبة في مدارس وجامعات الوطن العربي شاملة أبناء الجاليات العربية في الدول الأجنبية، ومتعلمي اللغة العربية من الناطقين بغيرها، ولقد كانت المملكة المغربية سباقة إلى تبني هذا المشروع،بحيث عملت وزارة التربية الوطنية ببلادنا – ولازالت – على حث كل المؤسسات التربوية بكل التراب الوطني،على إيلاء عناية كبيرة لفعل القراءة، وبذلك فاز العديد من تلامذتنا بعدة جوائز كبرى، وقد عشت شخصيا،كأستاذ مدرس مع تلامذتي هذه التجربة الفريدة داخل مؤسستي،ولاحظت الإقبال العجيب لكل المشاركين والمشاركات من أبنائنا وبناتنا على استعارة كتب مكتبة المؤسسة بشغف كبير ولهفة لأجل التمتع بالقراءة والفوز بالجائزة.

تتمة المقال بعد الإعلان

وفي إطار مجال القراءة ببلادنا، يرى عبد الجليل ناظم،رئيس سابق لاتحاد الناشرين المغاربة، أن “وضع الكتاب في المغرب وضع هش”،مضيفا بأن “العناية بالكتاب هي واجب المجتمع نحو ثقافته”،داعيا بذلك إلى ضرورة تعزيز علاقة الأطفال والشباب بالكتاب مع الحرص على مواكبة التطورات الرقمية التي ستغير العالم،كما يؤكد جل التربويين أن “أزمة القراءة تهدد الكيان الحضاري للمملكة المغربية”،وهذا مما لاشك فيه، هو الذي دفع شبكة القراءة بالمغرب إلى توجيه رسالة مفتوحة،مؤخرا، إلى وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، تشدد على “ضرورة إنشاء وتأهيل المكتبات المدرسية”، وفي هذا السياق، قالت نجية المختاري، رئيسة شبكة القراءة بالمغرب،كما ورد بإحدى الجرائد الإلكترونية المغربية:”إن المكتبة عنصر أساسي في تشجيع القراءة والتخطيط لها وجعلها مبرمجة في الدراسة والتقويم”، وتابعت موضحة: “لا يُتطرق للمكتبات المدرسية في برامج وزارية، وفي تأهيل المؤسسات يُهتَم بكل شيء إلا بالمكتبات، من طلاء للواجهات والجدران وصرف صحي وغير ذلك”.

ويرى جل المهتمين بفعل القراءة، أن الوقت قد حان لتوطيد الصلة مع هذه الثقافة بجميع الفضاءات، من مؤسسات تعليمية، دور الشباب، المكتبات العمومية، النوادي، المخيمات الصيفية، المؤسسات السجنية ومراكز الإصلاح، وغيرها، كما أنه يبقى من الضروري علينا إشاعة فعل القراءة لدى الجيل الناشئ باعتماد ممارسات وسلوكيات وجوائز تحفيزية، والدفاع عن أهمية هذه البادرة في المنظومة التعليمية- التعلمية والتربوية، بل يجب علينا تنظيم لقاءات للمطالعة والقراءة الجماعية بالفضاءات العمومية: الساحات الكبرى، الشواطئ، الحدائق العامة، فضلا عن وسائل الدعاية للحث على القراءة خلال فترات التنقل أو السفر بمختلف وسائل النقل: القطار، الحافلة، الطائرة، الترامواي…

وأخيرا، على المدارس وكل المؤسسات التربوية، أن تخصص حصصا للقراءة في مكتباتها للتلاميذ تحت إشراف القيمين المراقبين، لتحفيزهم على القراءة التي هي من روافد المعرفة وصقل الموهبة وحثهم على البحث في المصادر والمراجع، والقيام بالمجهود الشخصي بدلا من التواكل والرسلة والاعتماد على الغير وعلى شبكة الأنترنيت،وكذا تنظيم زيارات جماعية للمكتبات والخزانات،كخزانة القرويين بفاس، والمكتبة الوطنية للمملكة المغربية…إلخ، ولعل غياب المكتبات والمنتديات والمعاهد في المدن والقرى، هو السبب المباشر في العزوف عن القراءة، وعلى الأسرة كذلك أن تحث أولادها على المراجعة والمطالعة في المنزل، ليركزوا أكثر حول ما تمت قراءته خلال النهار في المدرسة، بعد أخذ استراحة وجيزة طبعا، لأن القلوب إذا كلّت عميت،فلنقرأ امتثالا لأمر الله: ((اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ)) (سورة العلق، الآية: 1).

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى