المنبر الحر

المنبر الحر | نهاية استبداد الرقمية وعودة التناظرية

بقلم: عبده حقي

 

    لماذا سوف يعود مستقبل الحوسبة إلى التناظرية؟

نادرا ما يفكر معظمنا في هذا الأمر، ولكن عندما نقوم بتشغيل هواتفنا الذكية وأجهزة الكمبيوتر، فإننا نقدم – عن وعي أو بدونه – ذواتنا للآلات التي تختصر كل المهام في سلسلة رقمي 1 و0.. هذا ما تعنيه الرقمية، ولكن وفقا لدوج برجر، الباحث في مجموعة الحوسبة الفائقة في شركة “ميكروسوفت”، فقد يكون هذا الوضع على وشك الانتهاء، حيث يعتقد الباحث برجر أننا قد ندخل حقبة جديدة لا نحتاج فيها إلى هذه الدقة الرقمية الراهنة، وقد يكون عصر البيانات الضخمة حقا عصر حوسبة أقل دقة إلى حد ما.

منذ حوالي نصف قرن، جعلت العديد من الشركات معالجاتها الدقيقة أسرع كثيرا، وذلك عن طريق إضافة المزيد من “الترانزستورات”، بل إن هناك المزيد من “أنوية” المعالجات التي يمكن أن تعمل بالتوازي، لكن يبدو أن هذه التعزيزات المنتظمة في الأداء على وشك الانتهاء.. إنه أمر لا مفر منه حقا.

لقد أصبحت أجزاء الرقائق صغيرة جدا، ولا يمكن تقليصها أكثر من ذلك بكثير، وستتقلص في المستقبل عملية صناعة الرقائق الحالية قريبا إلى 14 نانومتر، وسيعرف أيضا باسم 14 جزء من المليار من المتر، وعندما تصبح “الترانزستورات” صغيرة إلى هذا الحد، سوف يصبح من الصعب جدا إبقائها تعمل في حالات التشغيل أو التوقفات الدقيقة المطلوبة للحوسبة الرقمية، وهذا هو أحد الأسباب التي تجعل رقائق البطاطس اليوم ساخنة للغاية.

يسمي برجر هذا المستجد بالضريبة الرقمية، وعلى مدى العقد المقبل، ستصبح هذه الضريبة أكبر من أن يستمر صناع الكمبيوتر في دفعها، وقال نفس الباحث في حديث تم بثه على شبكة الأنترنيت، في المقر الرئيسي لـ”ميكروسوفت”: “لقد أصبحت الترانزستورات أكثر تسريبا وأكثر ضوضاء.. إنها تفشل في كثير من الأحيان، إن التحدي هو أنه في مرحلة ما على طول هذا الطريق، عندما تصل إلى ذرات مفردة، تصبح هذه الضريبة مرتفعة للغاية، وسوف لن تكون قادرا على بناء ترانزستور رقمي مستقر من ذرة واحدة، ولكن، إذا كانت مكاسب أدائنا في المستقبل لن تأتي من ترانزستورات أصغر.. فكيف سنحسن من فعالية الأشياء؟ هذا صحيح، لذلك سوف نذهب إلى التناظرية”، وأضاف: “أعتقد أن هناك فرصة لكسر هذا الاستبداد الرقمي لهذا التجريد من الآحاد والأصفار الذي خدمنا جيدا لمدة نصف قرن”، وهذا ما يسميه بعض المختصين بـ”التناظرية.”

كان برجر يعمل مع لويس سيزي، الأستاذ المساعد في جامعة واشنطن، حول ابتكار طريقة جديدة تماما للبرمجة، وبدلا من اتباع التعليمات الثنائية، كانا يقومان بتفكيك “الأكواد” التي يكون بعضها جزء من تطبيقك المصرفي الذي يرسل رصيد حسابك من البنك.

ويهدف الباحثون إلى بناء أنظمة منافسة في مجال المعالجات والتخزين والبرمجيات.. إنهم يعتقدون أنهم سيكونون قادرين على تشغيلها بجهد أقل بكثير من الأنظمة التقليدية، مما سيوفر المال على الطاقة والتبريد، لقد قاموا ببناء أول NPU باستخدام رقائق قابلة للبرمجة، لكنهم الآن يصنعونه من الدوائر التناظرية، والتي ستكون أسرع وتستخدم طاقة أقل بكثير من نظيراتها الرقمية. يقول سيزي: “يعد استخدام النظام التناظري مكسبا كبيرا في الكفاءة وأكثر تقريبية أيضا”.

هذا الأسلوب قد يرتكب بعض الأخطاء الطفيفة، لذا فهو لا يعمل مع جميع نماذج البرمجة، ولا يرغب في بناء آلة حاسبة بهذه الطريقة، ولكن بالنسبة للعديد من أنواع البرامج – برامج معالجة الصور على سبيل المثال – فهي جيدة بما فيه الكفاية.

ووفقا لبرجر، يمكن أن يعمل التعرف على الصور والمعلوماتية الحيوية واستخراج البيانات والتعلم الآلي، على نطاق واسع، والتعرف على الكلام مع الحوسبة التناظرية.. “إننا نقوم بعدد هائل من الأشياء التي تتقاطع مع العالم التناظري بطرق أساسية.”

إن برجر وسيزي ليسا الوحيدين اللذين يتطلعان إلى مستقبل التناظرية.. ففي العام الماضي، أطلقت وكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية المتقدمة “داربا”DARPA))، برنامجا يسمى “آبسايد” (UPSIDE)، اختصارا للمعالجة غير التقليدية للإشارات، لاستغلال البيانات الذكية، والتي تسعى إلى حل هذه المشكلات نفسها.

سوف يمر وقت طويل – ربما من 10 إلى 15 عاما – قبل أن تحظى الأنظمة التي يصفها برجر بـ”فرصة استخدام العالم الحقيقي”، ولكن قد تكون هذه هي الطريقة التي يحصل بها الجيل القادم من أجهزة الكمبيوتر على عصارته، حيث يقول برجر: “ليس لدينا أي فكرة إلى أي مدى يمكننا دفع هذا، ولكن بمجرد أن تكون على استعداد لارتكاب القليل من الخطأ وتكسر هذا الاستبداد الرقمي مرة أخرى، يمكنك البدء في استخدام هذه الأجهزة الصاخبة مرة أخرى، ولن تضطر إلى دفع هذه الضريبة الهائلة لضمان الرقمين الصانعين لهذه الرقمية: 1 أو 0”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى