تحليل إخباري

تحليل إخباري | علاقات بوتين والملك محمد السادس تجنب المغرب تداعيات الحرب الأوكرانية

الصديق عند الضيق

بتاريخ 27 ماي 2022، وقع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، على قرار تعيين السفير فاليريان شوفايف سفيرا فوق العادة لروسيا في الجزائر، وذلك بعد إنهاء مهامه من منصبه كسفير في المغرب، وقد تزامن هذا القرار المفاجئ مع تطورات العملية الروسية في أوكرانيا، لمواجهة محاولات توسيع حلف “الناتو”(..)، وكانت الأضواء قد سلطت بشكل كبير على تصريحات غير محسوبة العواقب صدرت عن السفير الجزائري في موسكو، والتي تطاول فيها على السيادة الإسبانية بقدر تطاوله على المغرب، وكانت رياح الحماسة قد جرفته نحو تصديق مقالات كاذبة صادرة عن وسائل الدعاية الجزائرية، فكرر على لسانه عبارة “تقرير المصير”، كما أكد استغرابه من تغيير الموقف الإسباني نحو المغرب، وقتها أكد أن ضغوطا دولية قد تكون وراء هذا القرار، ليجني السفير المسمى إيغور بيليايف، عاصفة أزاحته من منصبه، وقد قيل قديما أن “من يزرع الرياح يحصد العاصفة”.

 

إعداد: سعيد الريحاني

 

تتمة المقال بعد الإعلان

    لم تكن الدعاية الجزائرية لتترك السفير الروسي السابق في الجزائر يرحل بسلام، بعد أن استغلته من جديد في الدعاية لمواقف معادية للمغرب خلال لقاء “مفبرك” لاستقباله من طرف صالح قوجيل، رئيس مجلس الأمة الجزائري، فصدر بعدها بلاغ بأن ((المحادثات تناولت مستجدات القضية الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته وعاصمتها القدس، مع ضرورة احترام الشرعية الدولية، وكذا القضية الصحراوية وحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره باعتبارها قضية استعمار، مع وجوب احترام مقررات الأمم المتحدة بهذا الشأن، فضلا عن المشهد الليبي وتطوراته، والوضع الاقتصادي الصعب الذي يشهده العالم)).. فهل يعقل كل هذا الحوار مع سفير لم تنته ولايته على خير، ولنفترض أن هذا الأمر صحيح، فهذا يجعل من مبعوث روسيا العظمى مجرد “مناضل” مدفوع، وليس سفيرا متمكنا من الأعراف الدبلوماسية(..).

الرئيس بوتين، حرص شخصيا على صيانة العلاقات المغربية الروسية، من خلال إبعادها عن دائرة سوء الفهم، وانظروا إلى قوة فريق الرئيس بوتين، الذي يتابع كل كبيرة وصغيرة في الإعلام الدولي، رغم ظروف الحرب(..)، لكن وسائل الدعاية الجزائرية حاولت تفسير هذا الحدث بأنه في صالح الجزائر، ليكون أغبى تعليق على واقعة إنهاء مهام سفير الجزائر، هو الذي صدر عن بعض الصحف الجزائرية التي كتبت ما يلي:

((يعتقد المسؤول السابق بوزارة الشؤون الخارجية الجزائرية، أن قرار الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، تعيين سفير بلاده السابق في المملكة المغربية، فاليريان شوفاييف، سفيرا جديدا في الجزائر، يصب في صالح التعاون الوثيق بين الجزائر وموسكو، وعلى عكس القراءات التي حاولت البروباغندا في نظام المخزن تسويقها للرأي العام في بلادها، من أن هذا التعيين يخدم أطروحة الجارة الغربية في الصحراء الغربية، يرى عميد الدبلوماسيين، أن هذا التعيين أزعج كثيرا النظام المغربي وأصدقائه في أوروبا، لأن السفير المعين في الجزائر لديه تجربة طويلة وعريضة، وكان خاضعا لحالة من الضغط في المغرب بسبب العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا.. وقد مكنت التجربة الطويلة للسفير الروسي في الجارة الغربية، وفق الدبلوماسي نور الدين جودي، من بلورة رؤية ثرية فيما يتعلق بالمجتمع المغربي، ودواليب تسيير شؤون الدولة هناك، سواء تعلق الأمر بنظام المخزن، أو الملك محمد السادس، ومحيطه.. ويعتقد الدبلوماسي جودي في اتصال، أن من بين المخاوف التي تنتاب المملكة المغربية وأصدقاءها، من نقل السفير الروسي لدى المغرب للعمل في الجزائر، احتمال أن يقوم هذا السفير بتقديم المعلومات الثمينة التي جمعها طيلة عمله في الجارة الغربية، للسلطات الجزائرية في إطار التعاون الثنائي، وذلك بحكم العلاقات المتميزة التي تربط بين الجزائر وموسكو)) (المصدر: “الشروق” الجزائرية).

بيليايف // لافروف

يقوم هذا التحليل البسيط، الذي نسب إلى ما سمته الصحافة الجزائرية عميد الدبلوماسية، على فرضية فارغة تجعل سفير روسيا بمثابة “عميل” أو “وسيط للمعلومات”، بينما الأعراف الدبلوماسية أكبر من ذلك بكثير، فما بالك بسفراء قادمين من بلد قوي مثل روسيا، ليطرح السؤال: ما الذي ستقدمه الجزائر لسفير روسيا؟ وما هي هذه المعلومات القيمة التي يمكن أن يبيعها السفير الروسي السابق لموسكو في الرباط؟

تتمة المقال بعد الإعلان

إن الدبلوماسية أصعب من الحرب، وبالتالي، فالحديث عن الدبلوماسيين بهذا الاستسهال، ينم عن جهل كبير، وقمة الجهل بالوقائع أكدها صاحب التصريح نفسه عندما صرح لـ”الشروق” الجزائرية، بقوله: ((لا أعرف الغرض الحقيقي الذي يقف وراء قرار الرئيس بوتين جلب سفير بلاده الذي كان يعمل في المغرب إلى الجزائر..)).

إن محاولات الإعلام الجزائري للتضليل، هي التي جعلت الخارجية الروسية التي يوجد على رأسها الوزير الصارم، سيرجي لافروف، إلى نفي ما يروجه هذا النوع من الإعلام، الذي سبق له أكثر من مرة الترويج لمعطيات دبلوماسية كاذبة، فضلا عن استغلال جائحة “كورونا” السنة الماضية، وفي هذا الصدد، سبق أن ((نفت الخارجية الروسية ادعاءات الإعلام الجزائري بشأن وجود أزمة عاصفة متفاقمة بين الرباط وموسكو، واصفة التقرير الذي نشرته صحيفة “الشروق” بالكاذب.. وأكدت الخارجية الروسية، على موقعها الرسمي، أن تقرير صحيفة “الشروق” الجزائرية الذي تزعم فيه بأن الجزائر هي السبب في اندلاع الأزمة بين روسيا والمغرب، كذب وتضليل للرأي العام، مشددة على أن هناك مغالطات كثيرة تم الترويج لها بشأن التعاون الثنائي بين الرباط وموسكو.

وسخرت الخارجية الروسية من التقرير الجزائري، معتبرة أن الصحيفة يمكن أن تطالب بالجائزة في فئتين في نفس الوقت، كنموذج كلاسيكي للتضليل، وللتحليل الخاطئ، مشيرة إلى أن هذه المغالطات تعززت خاصة بعد تعليق الرحلات بين البلدين، وذكرت خارجية موسكو أن كاتب المقال اعتمد في تقريره المضلل على مجموعة من الأحداث والمعطيات، بداية بتعليق الرحلات الجوية بين روسيا والمغرب بقرار من الرباط، إضافة لاستدعاء السفير الروسي، فضلا عن تأجيل الدورة السادسة للمنتدى الروسي العربي للتعاون على مستوى وزراء الخارجية، والتي كانت من المفترض أن تعقد في 28 أكتوبر بمراكش، ليستنتج على ضوء هذه المعطيات، بأن العلاقات الروسية المغربية وصلت، حسب بلاغ الخارجية، إلى الباب المسدود، وبأنها تمر بأزمة، وأضافت الخارجية الروسية، أن قراءة مثل هذه المقالات تدل على أن كتابها يعيشون في عالم مواز ولا يدركون مخاطر جائحة “كورونا” والأزمة التي عانى منها العالم منذ سنة 2020، مشيرة إلى أن عددا من بلدان العالم، بما فيها روسيا، تعاني من موجة جديدة من الجائحة، وأن قرار الرباط تعليق الرحلات الجوية مع موسكو جاء بسبب تدهور الوضع الصحي، مشددة على عدم وجود أي تأثير سياسي على ذلك، وبخصوص غياب السفير الروسي عن المغرب، وهو الأمر الذي استخدمه صاحب المقال لتبرير مزاعم تدهور العلاقات المغربية الروسية، أكدت الخارجية الروسية أن السفير شوفاييف كان في إجازة مبرمجة مسبقا وعاد إلى الرباط لاستئناف مهامه في 24 أكتوبر الماضي، أما بالنسبة للعلاقات الروسية المغربية “المتوترة للغاية” حسب الكاتب الجزائري، والتي أرجعها إلى التعاون القوي بين روسيا والجزائر، فقد اعتبرت الخارجية الروسية هذه المعلومات منفصلة عن الواقع ولا توجد إلا في ذهن مؤلف صحيفة “الشروق”، كما نقلت خارجية موسكو تصريحا لنائب وزير الخارجية الروسي، ميخائيل بوغدانوف، خلال لقائه مع سفير المغرب لدى روسيا، لطفي بوشعرة، في 21 أكتوبر الماضي، والذي أكد أنه يشعر بالحيرة من المزاعم التي نشرتها عدد من وسائل الإعلام حول فتور العلاقات بين موسكو والرباط، مشيرا إلى أن التعاون الثنائي متعدد الاستخدامات متبادل المنفعة يحرز تقدما كبيرا، منوها بدور السفير الروسي في تعزيزه)) (المصدر: موقع العمق/ 29 أكتوبر 2021).

فاليريان شوفاييف، السفير الروسي السابق في الرباط والذي تم تعيينه مؤخرا كسفير لروسيا في الجزائر

إن ضمانة العلاقات المغربية الروسية تكمن في قيادة البلدين، الملك محمد السادس والرئيس فلاديمير بوتين، وتؤكدها وقائع ملموسة، حيث لم يصوت المغرب في الجمعية العامة للأمم المتحدة ضد روسيا فيما يتعلق بإدانتها في الحرب ضد أوكرانيا، رغم أن 141 بلدا صادقوا على ذلك، ولكن شجاعة المغرب قادته إلى اتخاذ موقف لصالح روسيا، رغم الضغط الكبير الذي يمكن أن تتعرض له المملكة في هذه الحالات، لا سيما من طرف ما يسمى الشركاء التقليديين، وهم بالمناسبة يشكلون قطب الرحى في المتحالفين ضد روسيا، ولكن هذه الأخيرة أثبتت للعالم أنها بلد قوي، واستطاعت أن تحول العقوبات الاقتصادية، والنظام المالي العالمي، إلى مهزلة كبيرة، وكل شيء يسير حسب منطق الردود الروسية وكأنه مخطط له من قبل(..).

فالعلاقات المغربية الروسية، رغم الضغط الكبير الذي تمارسه بعض البلدان كأمريكا وفرنسا، لا زالت صامدة، بل إن الصمود انتقل إلى المعاملات التجارية، حيث ((أعلنت روسيا أنها ستواصل تصدير الحبوب، وخاصة القمح، إلى المغرب، إذ من المرتقب أن تتم عمليات تسليم الشحنة الأولى للمغرب في الأيام المقبلة.. ووفق مصادر متطابقة، فقد تم تجهيز الدفعة الأولى وتحميلها لنقلها إلى المغرب بحرا، وقال الممثل التجاري بالسفارة الروسية بالرباط، أرتيوم تسينغامز غفريشفيلي في تصريح لوكالة “تاس”، أن المغرب سيتلقى شحنات الحبوب الروسية في الوقت المحدد، ويستورد المغرب 25 في المائة من احتياجاته من أوكرانيا و11 في المائة من روسيا، وتشهد المملكة هذا العام وضعا خاصا بموسم زراعي عانى من قلة الأمطار، مما أدى إلى انخفاض إنتاجها بنحو 50 في المائة، ولم تدرج روسيا المغرب في قائمة الدول “غير الصديقة” التي تضم عدة دول غربية)) (المصدر: الأيام 24).

 هكذا إذن، تتحدى الصداقة المغربية الروسية كل العراقيل وكأنها تطبيق للمثل القائل: “الصديق وقت الضيق”.

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى