المنبر الحر

المنبر الحر | عندما تحتاج الأجوبة إلى الأسئلة المناسبة..

الخبرة الجاهزة

بقلم: الطيب آيت أباه

    يوما بعد يوم تزداد الأزمة تفاقما، وتتوالى الصعوبات في ظل ارتفاع أسعار المواد الأولية في العالم وما نجم عنها من تأثيرات وأضرار تنذر باستمرار الاختناق، واشتداد الحبل الملتف حول القدرة الشرائية للمواطنين في بلدان الاستهلاك، حيث تقل أو تنعدم مراسيم التخفيف من وطأة أعباء المصاريف المضنية، التي قسمت ظهر البعير من هول الأسعار الصادمة!

لا شك أن العجز قد شلّ الحركة الاقتصادية، وكبل الأيادي بين الرجاء والضعف، وحصر العقول بين المداخيل والخيبات، وهدّ الأبدان المنهكة في مواجهة الخصاص الرهيب على مستوى الإنفاق الطبيعي للأسر والأفراد، ولهذا، فقد أضحى التخفيف من حدة هذا العجز اليوم، مسألة ملحة تتربع على رأس قائمة التحديات، التي وجب سلكها في مجابهة المخاطر المتربصة بالطبقات الاجتماعية المغلوب على أمرها، مع اتخاذ الإجراءات الكفيلة للحد من النزيف الذي جفف الجيوب على قلة ما فيها من موارد الحياة البسيطة!

جاء في تعريف إدارة الأزمات، أنها فن من الفنون الصعبة، إذ كلما حدث طارئ خارج الحسبان دون توقعات مسبقة إلا وعظُم الرهان وكبُر حول السبيل إلى مواجهة هذا الطارئ، الذي لم يكن مخططا له، حتى أمكن الجزم بأنه لا يستقيم اختبار أي إدارة اختبارا جيدا إلا في مواقف الأزمات، وأكبر تحدي يواجه كل فريق عمل، ويبرز كفاءاته ومؤهلاته في جودة القيادة، هو المحافظة على العنصر البشري ضد المخاطر المختلفة، والعمل على تجنب المخاطر المحتملة أو تخفيف أثرها على الموارد البشرية الدائرة في فلك هذا الفريق أو ذاك، حتى إذا تعذر تجنبها بالكامل، كان للتخفيف منها أثر “أقل الضررين”، وهذا ما نحسب أن الحكومة تسعى إلى تحقيقه في ظل أزمة الغلاء الحارقة، ولكن هل تسعى إلى ذلك بمنطق علمي يعالج الأرقام، أم بمنطق حسابي يرتب الأرقام؟

يميل جزء من أهل الاختصاص أيضا إلى تصنيف إدارة الأزمات ضمن العلوم الحديثة، وبالتالي، فبسلك هذا النهج العلمي وفنونه، يمكن إدارة التوازنات بشكل أكثر واقعية، كما يمكن التكيف مع المتغيرات المختلفة، وبحث أثارها في كافة المجالات، مع إخضاعها لأكبر قدر ممكن من التدقيقات الاستباقية والتوقعات المحتملة، تحت مجهر التنبؤ الوقائي، لتفادي حدوثها مبكرا، وتجنب وقوعها كما قد يكون متوقعا، لأن تركها حتى تحدث ثم الانغماس في الدراسات لإيجاد الحلول، إنما هو هدر للزمن الذي هو أصل كل الأزمات، في زمن أنفس ما فيه هو الزمن بحد عقاربه.

وحتى نعطي لكل ذي حق حقه، من باب احترام وتقدير المقامات أولا بأول، بدأنا بأهل الاختصاص اعتبارا لمكانتهم الأكاديمية على هرم العلم والمعرفة، وإذ ننزل قليلا إلى ساحة الميدان حيث أهل الحرف والمهن، فإنما لاختصار الزمن بين التجارب الجاهزة في الأسفل والتقديرات المحتملة في الأعلى، وكل خبرة تُغني عن السؤال، إنما هي جواب قد لا يعفي من طرح السؤال فحسب، بل هي الجواب الذي يحتاج إلى صناعة السؤال.

إذن، إليكم هذا الجواب من الأسفل، الذي لم أجد له لحد الساعة السؤال المناسب في الأعلى، والجواب عبارة عن قصة، اخترت أن أحكيها باللسان الدارجي، لعلني أختصر في تصوير مشاهدها بحجم بساطتها، وتحكي القصة أن ((واحد العام، توفَّى واحد جارنا الله يرحمو.. وكان السكر القالب د الخنشة مفقود من السوق في ذيك اليام.. وهاذ السيد كانت عندو علاقات عديدة ومتفرعة، وارتباطات وطيدة ومتشابكة مع المحيط ديالو الواسع جدا، يعني العزو غادي يكون فيه البشر كثير، ومن جميع المستويات الاجتماعية، لذلك جا عندي ولدو يشكو من مشكل نفاذ السكر د الخنشة من السوق! وأنّ المعزين تايعياوْ يدورو من هري لهري ومن حانوت لحانوت، وما تيجبروش خنشة د السكر لتقديم العزاء!

كانوا باقين عندي شي قوالب مزيانين ونْظافْ، أكثرهم مقسوم على جوج أو ثلاثة! ولهذا اقتارحت عليه نعمّرو حنشة خاوية بالتبن، ونستفو فيها 32 قالب واخا مهرسين، ونخيطوها ونجمعوها بقنبة، حتى ترجع تماما بحال خنشة ديال السكر على ضمانتي! وطبعا باتفاق وتوافق بيننا، وفي كل خطرة يشري من عندي شي مُعزّي هاذ الخنشة، غادي نرسل معاه الخدام بالشاريو.. وبحكم أنني عارف دار العزو، وحافظ تفاصيلها، طلبت من ولد المرحوم يلتازم بمهمة استقبال الضيوف المعزين في باب دارهوم، وحيث يوقف عليه الخدام بالشاريو مع الضيف لتقديم العزاء، يأمر الخدام باش يدخل يحط الخنشة تحت الدروج، وفي نفس الوقت، يطلب من الضيف يتفضل يطلع مع الدروج للطابق الأول مكان الضيافة، وفي هاذ اللحظة اللي غادي يطلع فيها الضيف مع الدروج، الخدام غادي يبقَى واقف تحت الدروج بلا ما ينزل الخنشة من الشاريو في انتظار إشارة من ولد المرحوم باش يعطيه الإذن يعمل دومي تور، ويرجع بالخنشة للديبو.. وهكذا كلما جا عندي شي ضيف باغي خنشة د السكر، تانطلب منو يتسنّى شوية، حتى يرجع الخدام من الديبو فاين حط الشاريو، باش نعاود نرسلو يجيب الشاريو فيه ذيك الخنسة د السكر نفسها من الديبو، ونعاودو السيناريو من أول وجديد مع كل ضيف جديد حسب هاذ الخطة المُحكمة..

تايبقى مطلوب من ولد الميت فقط يسجل عندو أنه باع ليا هاذ الخنشة في كل مرة يردها الخدام للديبو.. وطبعا أنا أيضا تانسجل عندي عدد الخطرات اللي غادي يرد ليا فيها ولد المرحوم ذيك الخنشة.. إلى أن تنتهي العملية، ونتحاسبو أنا وياه حسب الاتفاق المبرم، حيث هاذ الخنشة غادين ندوزو بها أيام العزو كاملة، وحتى الخدام غادي تخرج ليه لافّير شاخظة.. لأنه غير غادي راجع بذيك الشاريو بين الدار والديبو، وفي كل ڤواياج تاتشيط ليه ما بين 5 حتى 10 دراهم بقشيش.

المهم أن جميع الأطراف قضات الغرض بذيك الخنشة الوحيدة ديال السكر.. أنا غطيت بها الطلبات ديال الزوار كاملين، والزوار كاملين دخلوا بيديهوم عامرين بواسطة ذيك الخنشة لدار العزو، وأهل الميت استافدوا من قيمة العدد الإجمالي ديال هاذ العملية المتكررة، والخدام دّا رزقو بلا ما يبْذْلْ مجهود بدني كبير في عملية دفع الشاريو ذهابا وإيابا بين الديبو ودار العزو)).

ختاما.. ألم يقل ابن القيم أن الحكمة هي فعل ما ينبغي على الوجه الذي ينبغي في الوقت الذي ينبغي.. فهل نحن كما ينبغي أن نكون عليه اليوم ؟

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى