المنبر الحر

المنبر الحر | قرابين المهنة.. سذاجة في غياب التحسيس والتوعية !‎‎

بقلم: الطيب آيت أباه

    واحد التاجر متجوّل ناجح في مسارو المهني، كان كايتعامل مع المزودين ديالو وزبناؤو بالطرق الكلاسيكية لمدة طويلة، كانت كفيلة باش يكتاسب فيها الثقة ويبني فيها سمعة طيبة..

كان في كل مرة كايتلاقَى مع زملاؤو إلّا وكايقتارحو عليه يتعامل بالشيكات، لأنها مريحة في الأداء وكتسهل الكثير من الأمور، وفيها الأمان، وكتعفي المتعامل بها مثلا من مخاطر التجول في السوق أو السفر إلى الدار البيضاء وهو يحمل معه الأموال!

كان في الأول متردد، ولكن مع مرور الوقت، وإلحاح الأصدقاء، بان ليه يجرب حتى هو هاذ المعاملة، ويشوف هاذ الشيكات باش غادين ينفعوه في تطوير تجارتو؟

تتمة المقال بعد الإعلان

تقدم لواحد البنك، وفتح فيه حساب بنكي بمبلغ 5000 درهم، من بعد المدة القانونية، تسلم دفتر الشيكات ديالو، وقصد درب عمر باش يتقضّى سلعتو.. كان الأمر بالنسبة لصاحبنا التاجر المتجول مدهش وعجيب، لأن المزودين عارفين عليه الالتزام والانضباط، ولذلك حتى واحد ماردّو أو رفض يشد منّو الشيك، بل بالعكس، كان كلما تقضّى من عند شي تاجر جملة وعطاه الشيك بمبلغ الفاتورة، تايشدو من عندو، وفوق من هادشي، كايتشاور معاه: “آشمن تاريخ بغيتي ندفعوه”؟

هنا صاحبنا بدا تايبان ليه أنه كان مغفل طيلة الفترة اللي كان حارم نفسو من التعامل بالشيكات.. شارجا جزء من السلعة في سيارتو، والباقي ارسلوه ليه اصحاب الجملة في الكاميو، ثم اخرج للسوق ولِيكِيدَا السلعة كاملة في وقت قياسي، ومن بعد ارجع عاودتاني لدرب عمر يتزوّد من جديد بنفس الطريقة! فكان الإعجاب ديالو بهاذ دفتر الشيكات كايتزاد يوم بعد يوم، لا سيّما وأنه مقيوم عليه فقط بـ 5000 درهم، ومع ذلك، باقي تايجلب به السلعة دون أي عراقيل.

استمر صاحبنا على هاذ المنوال، حتى بقات ليه ورقة وحدة في دفتر الشيكات، دون أن يدفع سنتيما واحدا في حسابه البنكي.. فقد كان صاحبنا يعتقد أن هاذ الكارني ديال الشيكات هو المَنفَذ السحري إلى خزينة البنك، وحتى في قراءة العواقب، فقد كانت له رؤية أخرى!

طبعا، وبعد فترة، ستبدأ الشكايات بالتقاطر على صاحبنا التاجر المتجول، ثم سيتم اعتقاله، وعندما وُوجِهَ في المحكمة بالمنسوب إليه، طلبَ من القاضي باش يجمع ليه مبالغ الشيكات كاملين اللي راجعَة ليه بدون رصيد، فَسَحبَ من جيبه ورقة الشيك الأخيرة، اللي كان محتافظ بها، وحرّر فيها المبلغ كاملا غير منقوص، ثم سلمها لهيئة المحكمة الموقرة بعد التوقيع عليها بكل ثقة في النفس، وهو يقول: “ها أنا نعام آسيدي، ها المجموع كامل خالص بهاذ الشيك”!.

تتمة المقال بعد الإعلان

مناسبة استهلالنا لهذا الموضوع بنكتة في قياس مقدمة “ابن خذلون” (من الخذلان)، الذي صار حديث الساعة بين المتجرعين له من التجار والمهنيين أو المتشائمين منه، إنما هي تَوطئةٌ بروحٍ طريفة، لا بد منها، لما تتضمنه من إشارات تحيلنا مباشرة على ظاهرة “الانتحار المهني” المسكوت عنها! والتي بدأ مؤخرا قطاع تجارة القرب يكشفُ عنها، ولا أدل لدينا على ما تخفيه من معاناة أكثرَ من قصة التاجر إبراهيم آيت العسري من مدينة القنيطرة، الذي أفرغ قلبه وهو يحكي قصته المؤلمة بنبرة من الحزن المثخن بالجراح والندوب العميقة، بعد ما ألمّ به من إحباط جراء حكم بالإفراغ، كاشفا الحجاب عبر ڤيديو متداول في مواقع التواصل الاجتماعي للرأي العام، عن نموذج من المصير المجهول والمسكوت عنه في قطاع تجارة القرب..

هذه الظاهرة التي أنتجت في ظل الصراع الخفي القائم بين القَهر والصبر، مع الإفراط في السكون إلى النوايا الحسنة، ما يمكن تسميتهم مجازا بـ”قرابين المهنة”! هؤلاء المنسيون عن عمد وإصرار في محميات التهميش المُسَيّجة بأسلاك الاستغفال.

ولأنها ظاهرة مستترة تقديرها ضمير منفصل عن المسؤولية، لم تحظَ لا بالعناية ولا بالحماية التشريعية المنشودة من قبل من يُفترض فيهم أن يكونوا مرآة تعكس واقع القطاع بكل تجلياته وأسراره المأساوية، هذا مع ما تفشّى فيه من سذاجة بلا رادعِ تحسيس ولا توعية، لم يعد يخفى أن وراء الأكمة من يستفيد من استمرار تفشيها!

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى