المنبر الحر

المنبر الحر | المنهج القرآني مصلح صالح لكل زمان ومكان

بقلم: ذ. الحسن العبد

    قال تعالى: ((وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)) (سورة الأنعام، الآية: 155).

تحدث المولى عز وجل عن عظمة القرآن الكريم ومن خلال آياته الحكيمة تبينت هذه العظمة في ثناء الله على كتابه العزيز في آيات كثيرة مما يدل على عظمته، فقد وصفه بـ”العظيم” في قوله تعالى ((وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ)) (سورة الحجر، الآية: 87).

إن الغاية العظمى من إنزال الله القرآن الكريم هي عبادة الله وحده لا شريك له، وإقامة دينه الذي ارتضاه الله لعباده، والحُكْم والاحتكام إليه في جميع شؤون الحياة، والتقرب إليه بتلاوته آناء الليل وأطراف النهار.. لقد أنزله الله للتشريع، وبيان الأحكام التي يلزم العباد أن يقوموا بها، ثم إن المقصود من إنزال كتاب الله هو أن يعلم الناس أحكام دينهم وما شرع الله لهم، ويعرفهم بربهم سبحانه، وصفاته، وأسمائه، وبحقه على عباده جل وعلا، وقد أمر الله بتدبر كتابه فقال تعالى: ((أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوب أَقْفَالُهَا)) (سورة محمد، الآية: 24)، لهذا، فالاهتمام بكتاب الله تلاوة وحفظا وتفسيرا واجب الأمة الإسلامية جمعاء.

لقد نزل القرآن بأفضل الألسنة وأفصحها، وأوسعها، وهو اللسان العربي المبين، ويرى جل علمائنا أنه من أقوى الوسائل على تحبيب القرآن في النفوس، تقريب اللغة العربية إلى المسلمين ليتذوقوا بذلك الأساليب البيانية التي ما زالت لماعة في القرآن منذ نزول الوحي على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إلى الآن، وليتدبروا الأحكام الصادرة عن القرآن، وليستطيعوا بذلك أن يعملوا بها، وليس معنى نشر القرآن هو وجوده بين طبقة لا تعرف له معنى ولا تستطيع أن تتصرف فيه إلا في إطار ضيق لا يكسب القرآن جلاله، ولا يبين للقارئين أو السامعين جماله.

يحتاج القرآن إلى طبقة المتعلمين والمثقفين ليضعوه في مكانه، وأن يجعلوه، كما يقول علماؤنا، رأسا لكل تشريع، وجوهرة لكل حكمة، ولسانا لكل حق، ويتساءل محمد بن عبد العزيز الدباغ: “أليس من الغريب أن يكون هناك اقتران شرطي في أذهان بعض الناس يجعلهم لا يتذكرون القرآن ولا يتصورونه إلا إذا حضروا جنازة من الجنائز أو مأثما من المآثم حينما يرون جماعة من المتسولين والبؤساء يتسابقون على القبور بثياب رثة ووجوه شاحبة، وأرجل مغبرة أو حافية، وهم يرفعون أصواتهم ويخفضونها في غير انسجام، فيظنون أن القرآن لا يقترن إلا بالفقر والبؤس، أو هو الذي يؤدي إلى الفقر والبؤس والحرمان؟”.

يجب أن تبقى للقرآن الكريم هيبته فنخشع لتلاوته ونخضع لمعانيه، لأنه كتاب الرحمة والحكمة، نستبشر بآياته ونستأنس بأحكامه وأوامره ونواهيه.

يقول الدكتور علي الصلابي: “لن تسعنا المجلدات ولا الكتب للحديث عن فضل القرآن الكريم وعظمة نزوله على الناس وأثره في نفوسهم، والقرآن الكريم لا يأتيه الباطل بين يديه ولا من خلفه، فهو الكتاب الحق الذي جعله الله سبحانه وتعالى معجزة لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وإن أول كلمة أنزلت فيه هي: اقرأ، وهي أول كلمة أنزلت عن طريق جبريل عليه السلام في غار حراء، فأصبح الكلام معجزا، ولو أنزل الله عز وجل هذا القرآن على غير البشر، أي لو أنزله على الجبل لخشع الجبل من خشية الله عز وجل، والقرآن الكريم كلام الله تكلم به بالحقيقة على الوجه الذي يليق بجلاله وعظمته، ولم يُنزل الله من السماء أعظم ولا أجل من القرآن، وقد أخبر الله تعالى أن القرآن كما هو مُعَظَّم بالأرض فهو مُعَظَّم في السماء لا يمسه إلا المطهرون، ولا يحتفي به إلا الملائكة الأطهار الأبرار”.

لقد بعث الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم خاتما للنبيئين وجعل رسالته رسالة عالمية باقية حتى قيام الساعة، وأتم الله نعمته فأنزل القرآن الكريم ليكون روح هذا الدين ولسانه الناطق، وكان من اللازم، يقول الدكتور محمد السيد يوسف، أن يكون هذا الكتاب الكريم ثريا بالخصائص والقدرات التي تجعله جديرا بالبقاء والخلود، ومؤهلا لخطاب العالمين على اختلاف أجناسهم وتباعد أزمنتهم.

إن المنهج القرآني هو المنهج الوحيد على ظهر الأرض المصلح والصالح لكل زمان ومكان، وذلك، كما يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله: “إن القرآن الكريم هو كتاب هذه الرسالة التي جاءت تعرض الإسلام في صورته النهائية الأخيرة، ليكون دين البشرية كلها، ولتكون شريعته هي شريعة الناس جميعا، ولتهيمن على ما كان قبلها، وتكون هي المرجع النهائي، ولتقيم منهج الله لحياة البشرية حتى يرث الله الأرض ومن عليها”.

خلاصة القول، فالقرآن الكريم لم ينزل لمجتمع مكة والمدينة، ولا لمجتمع العرب، ولا لزمن الرسالة فقط، بل هو كتاب الأبد ورسالة العالمين، قال الله تعالى: ((قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)) (سورة الأعراف، الآية: 158).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى