المنبر الحر

المنبر الحر | جدلية العلاقة بين الدين والسياسة “الجزء 2”

بقلم: بنعيسى يوسفي

    إن العديد من القضايا، على غرار العلاقة بين الدين والسياسة، تستوجب تقديم النظر الفلسفي على التحليل السياسي، وواجب الفيلسوف أن يسابق إلى الاشتغال بها حتى لا تهلك الأمم بما كسبت أياديها، وبالتالي، فالسؤال المركزي المطروح في خضم هذا الجدل، هو حول جوهر هذا التصور أو النموذج الفكري الذي يؤسس له الفيلسوف المغربي الكبير، طه عبد الرحمان، وحول أهم المرتكزات التي يستند عليها، وقبل الخوض في تفاصيل هذا النموذج الذي نجد صداه قويا بشكل عميق في كتاب “روح الدين”، لا مندوحة أولا من وضع هذا الكتاب في سياقه التاريخي وفي إطاره الموضوعي، فالكتاب هو تجديد للنظر العقلي والديني في قضية العلاقة بين الدين والسياسة يتجاوز ما يفهمه البعض اليوم من هذه العلاقة، وهو غير متأثر بأي مؤثرات خارجية كأحداث الربيع العربي أو وصول الإسلاميين إلى الحكم مثلا في هذا القطر أو ذاك، أو أي شيء من هذا القبيل.. إنه في عمقه عملية تجديد فلسفية من داخل النسق الديني الإسلامي، وبمعنى آخر، هو “رجوع إلى أصل الموضوع” من خلال التفكير في أصل الدين وعلاقته بكل مناحي الحياة وليس بالسياسة فحسب، وبالتالي، محاولة إيجاد صيغة توافقية في علاقته بالسياسة على اعتبار أنها لا زالت تستأثر بالاهتمام، ولأنها أيضا لا زالت في حاجة إلى المزيد من التوضيح ورفع الكثير من اللبس والضبابية عليها.. إنها صيغة تتجاوز هذا الجدل الدائر اليوم، وتؤثث لجوهر أطروحة الدكتور طه عبد الرحمان، التي يتوخى من خلالها تصحيح المسار الذي تسير فيه هذه العلاقة التي يبدو في نظره أنها انحرفت كثيرا عن اتجاهها السليم، وأخذت منحى غير دقيق يحتاج إلى تقويم، ويلخص هذا التصحيح في تعبيرين مانعين شافيين وهما: “ذكر ما نسيه العلماني” و”عروج على ما قعد عنه الدياني” على اعتبار أن كلا الطرفين في تعاطيهم للعلاقة بين الدين والسياسة يسقطان في أخطاء كثيرة، فدعاة الربط بين الدين والسياسة ودعاة الفصل على حد سواء، قصروا الدين على السلطة والحكم كل من منظوره، وهذا يعتبر تقزيما للدين بحصره في دائرة ضيقة، مما يستدعي معه نوعا من العروج، أي الارتفاع إلى أبعد من هذا السقف نحو شمولية الدين، وعلى الرغم من أن دعاة الفصل يعتبرون أن الدين شيء شخصي وفردي بين الإنسان وخالقه، وتحييده من الحقل السياسي أمر إيجابي لقدسية الدين نفسه من جهة، ومن جهة أخرى، من شأن هذا التحييد أن يجعل الصراع السياسي على السلطة والتداول حولها أكثر ديمقراطية، حيث يكون الصراع في هذا المضمار سياسيا وفكريا وإيديولوجيا مبنيا على برامج وتصورات قابلة للتكييف والتطبيق والتعديل حسب الظروف المكانية والزمانية، ومحتكم فيها إلى قيم وقوانين وضعية، وبالتالي، يجب على الدين أن ينأى بنفسه عن هكذا صراعات التي تتميز بالنسبية بحكم أن السياسة علم نسبي يصيب فيه الإنسان أو يخطئ، أما الدين، فهو يستند على التشريعات والأحكام السماوية التي تكون مطلقة وغير قابلة للتجزيئ والاجتهاد، مما يجعل معادلة الصراع الفكري والسياسي مختلة وغير متكافئة، بحيث يستند الإسلاميون على نصوص دينية هي كلام الله الذي لا يقبل النقاش والمجادلة، وفي المقابل، يستند العلمانيون على نظريات ومعطيات بشرية نسبية ترتكز على الاختلاف وحرية الرأي وما إلى ذلك، فالمطلق في هذا المقام يتعارض مع النسبي، هذا فضلا عن كونهم – أي العلمانيون – يعتبرون أن السياسة بالمبادئ التي يؤمنون بها، هي الوسيلة الوحيدة التي يمكن أن تحقق السعادة للمجتمع وليس الدين، على أساس أن السياسة تهتم بعالم الواقع والدين يهتم بعالم الروح، لكن هذه المسلمة يبطلها صاحب النظرية “الائتمانية” من خلال قاعدة “تغييب العالم المرئي وتشهيد العالم الغيبي”، وهذه قاعدة تحتاج إلى شرح مستفيض، لكن المجال لا يتسع لذلك، ليبقى الأهم فيها هو أن العلمانية في النهاية هي إنشاء “دين” آخر غير الدين السماوي، وهو “السياسة”، إلا أنهم، حسب طه عبد الرحمان، بهذا الفهم والإدراك، وبهذه التفاصيل كلها، وبالرغم من كل هذه التبريرات التي يجتهد العلمانيون في تقديمها لنا، وهذا الإسهاب في توضيح وجهة نظرهم، فإنهم ينسوا أو يتناسوا أن الدين يمكن أن يلعب دورا مهما في مد هذه السياسة بمنهج للتدبير كما كان يدعو إلى ذلك مفكرون إسلاميون سابقون أمثال ابن خلدون وغيره، الشيء الذي يدفع إلى القول أن السياسة لا بد لها من دين، سواء كان دينا سماويا خارجيا أو دينا داخليا، لكي تصبح السياسة هي نفسها دينا لا تعترف بدين آخر سوى ما تسطره هي لنفسها، وفي هذه الحالة، تكون العلمانية، التي تقول بعدم إدخال الدين في السياسة، دينا يقدس كيانا سياسيا معينا، الذي قد يكون دينا مدنيا أو دينا سياسيا، ليخلص الدكتور طه عبد الرحمان في النهاية إلى أن الدين من المنظور “الائتماني” ليس عالمين منفصلين، بل هما طريقان متقابلان للفاعلين الإنسانيين، وهذا ما يتضح حتى في اللسان العربي، إذ تشير عبارة الدين إلى “الشرعة والمنهاج” كما في القرآن الكريم، بينما تشير السياسة إلى “طريقة للتدبير”، وهنا يكمن بالتحديد الرابط الأساسي بين الدين والسياسة والذي لا يمكن فصله البتة.

تتمة المقال تحت الإعلان

جدير بالذكر، أن “المقاربة الائتمانية” هي في شموليتها مقاربة للواقع العربي والإسلامي، تتعرض للتحديات التي يواجهها في شتى المجالات، من منظور فلسفي محض، وهي بذلك تتجاوز المقاربات السابقة للمفكرين العرب المعاصرين والتي انحصرت في زوايا تاريخية أو سياسية أو اجتماعية، هذا هو طه عبد الرحمان، الذي يشتغل منذ عقود خلت على مشروع فكري وفلسفي يحتاج دارسه إلى التسلح بكثير من الأدوات المعرفية والإبستمولوجية لسبر أغواره بالتفصيل، والوقوف على ما يختزنه من أفكار ومفاهيم ومعلومات تجيب على الكثير من الإشكالات العويصة التي ما فتئت تقف حجر عثرة أمام تقدم الأمة العربية وتطورها.

تتمة المقال تحت الإعلان

انتهى

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى