المنبر الحر

المنبر الحر | جدلية العلاقة بين الدين والسياسة “الجزء 1”

بقلم: بنعيسى يوسفي

    ليس من باب الغلو في شيء القول أن جذور النقاش الفكري حول علاقة الدين بالسياسة، أو علاقة “الشرع بالسياسة” كما يطيب للبعض تسميته، في العالم العربي خاصة والإسلامي عامة، قديمة قدم التاريخ، وليست وليدة اليوم، وبدأ هذا النقاش يتطور ويتبلور عبر محطات عديدة رويدا رويدا، إلى حدود اليوم، فأولى الكتابات التي ناقشت هذه العلاقة، انطلقت مع الفارابي في كتابه: “آراء أهل المدينة الفاضلة”، وعند ابن رشد في كتابه “تلخيص السياسة”، وعند ابن سينا في كتابه “السياسة”، ولعل السمة البارزة التي طغت على كل هذه الكتابات، هي أنها عالجت هذه العلاقة التي نتحدث عنها من منظور فكري فلسفي صرف، لكن في المقابل، نجد هناك من عالج هذه العلاقة من منظور مختلف ومغاير، وهو المنظور الديني، وهنا يبرز اسم أبو حامد الغزالي بشكل خاص في كتابين مشهورين هما: “إحياء علوم الدين” و”التبر المسبوك في نصيحة الملوك”، وفي كتاب آخر بعنوان: “سر العالمين وكشف ما في الدارين”، ولقد كان من نتائج هذا النقاش أو هذا الصراع في بعض الأحيان، أن ظهر إلى الوجود تياران مهمان في الساحة الفكرية والسياسية العربية، فريق يدعو إلى ربط الدين بالسياسة وهم “الإسلاميون”، وفريق يدعو إلى الفصل بينهما وهم “العلمانيون”، وكما لا يخفى، فإن هذا النقاش كان في أول الأمر نقاشا فكريا إيديولوجيا صحيا ومحمودا إلى أبعد الحدود، كان كل طرف يسعى من خلاله جهد الإمكان إلى توضيح أفكاره ومنطلقاته وتوجهاته، وإيصال مضمون وفحوى خطابه إلى أكبر قدر من الجمهور، مما أدى إلى ظهور كتب قيمة ومقالات ودراسات، ومناظرات، أثرت وأغنت الخزانة الثقافية العربية، وصارت مراجع نفيسة يعود إليها معظم الدارسين والباحثين المهتمين بهذا المجال، ويكرع منها الأنصار والأتباع لإشباع  رغباتهم الفكرية والإيديولوجية، وفي هذا الخضم، برز من هذا الجانب أو ذاك، مفكرون وعلماء عظام نافحوا على أفكارهم وتصوراتهم ونظرياتهم بالحجة والدليل، في سبيل إقناع المجتمعات العربية، لأن تخليصها من الاستبداد والتسلط والتخلف، والرقي بها في مدارج التقدم والرفاه واللحاق بالركب الحضاري، لا يمكن أن يتأتى إلا بالمرور عبر تطبيق هذه الأفكار والمبادئ التي يؤمن بها كل فريق، إلا أن ما يلفت الانتباه حقيقة، هو أنه منذ نهاية القرن التاسع عشر إلى اليوم، لم يعد هذا النقاش بين هذين الطرفين نقاشا فكريا حقيقيا مؤصلا، بل أصبح سياسيا بامتياز، وظهرت نوايا كل طرف صريحة لا غبار عليها للاستحواذ والهيمنة على الساحة وعدم ترك المجال للطرف المقابل في التمدد والانتشار، ومحاولة كل فريق الاستئثار والاستفراد بالسلطة، عبر سلك آليات مختلفة، فالفريق الأول، الذي يمثله “الإسلاميون”، يريدون صراحة إقحام أو استثمار الدين في السياسة، ويقدمون في ذلك مبرراتهم ومسوغاتهم، والثاني، أي “العلمانيون”، يدعون إلى استثمار السياسة بدون دين، ولهم في ذلك هم أيضا ما يتحججون به لهذه الغاية، وبهذا ظل الجانب السياسي هو المهيمن في هذا التجاذب وهذا التقاطب بين هذين الفريقين والذي بدأ فكريا ونظريا، ثم أمسى مع مرور الوقت صراعا سياسيا تتعايش فيه الأفكار والخلفيات في مناخ فكري اتسم بالندية والتنافس الحقيقي كما أومأنا إلى ذلك سلفا، ثم بعد ذلك، وبفعل العديد من المتغيرات والتحولات الثقافية والسياسية التي عرفتها المجتمعات العربية في العقود الأخيرة، بدأ يحمل في طياته، أي هذا الصراع، العديد من أوجه التدافع والتصادم التي أفضت في كثير من الأحيان إلى أشياء خارجة عن نطاق الفكر والسياسة في أبعادها الأخلاقية النبيلة، حيث طغى الحس الراديكالي وبدأت بنية التشدد تتأسس لدى كل طرف والذي وصل إلى حد التفكير في استئصال شأفة كل طرف للآخر والقضاء نهائيا عليه، والحديث يطول في هذا المقام، والأحداث التي تبرر ذلك، لا زال التاريخ يحتفظ بالكثير منها، وبقي الحال على هذه الشاكلة وجذوة الصراع لم تفتر يوما، حتى أضحى معه هذا النقاش كلاسيكيا وفقد الكثير من زخمه وألقه ولم يعد يغري الكثير من المثقفين وحتى المهتمين بالشأن الثقافي والسياسي في الوطن العربي، وتكاد لا تلمس فيه أي جديد إلا فيما ندر، وهو أقرب إلى لعبة شد الحبل منه إلى شيء آخر، إلى أن ظهرت كتابات أخرى جديدة ومختلفة تماما عن سابقتها في هذا الخصوص، شكلا ومضمونا ومنهجا، والتي اعتبرت من طرف الكثير من المهتمين بمثابة وقفة تصحيحية توجيهية تقف على العديد من الاختلالات والتناقضات، ونقط ضعف التي تهم مسار وخطاب هذين الفريقين، على حد سواء، وتبديد سوء الفهم الذي ساد عندهم حيال العديد من الأمور والإشكالات المرتبطة بالدين والسياسة ومقاربة كل طرف لها، وهي كتابات تتجاوز كل هذا التراكم الحاصل في هذا الموضوع، بل وتنتقده وتطرح بدائل حقيقية له، وهي تعبر حقيقة عن رؤية وتصور جديدين للموضوع من زاوية مغايرة، إنها إنتاج فكري خالص للفيلسوف المغربي الكبير طه عبد الرحمان، الذي يدخل في صلب مشروعه الفكري الضخم الذي ينهض في مجمله على “الأخلاق “، والممتد لسنوات طويلة، ويعتبر كتابه: “روح الدين، من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية”، حجر الزاوية وقطب الرحى فيه بالرغم من أنه لا زال لم ينل حظه من الاهتمام والدراسة من طرف النقاد والمهتمين، هذا إضافة إلى كتب أخرى تسير تقريبا في نفس الاتجاه، نذكر منها “بؤس الدهرانية” و”دين الحياء”، وأخيرا كتاب: “ثغور المرابطة”، الذي يعتبر في الحقيقة انعطافة حقيقية في مسار فكر الرجل الذي ظل وفيا لتوجهه الأخلاقي الصرف في كتاباته، ذلك أن هذا الكتاب اعتبره الكثيرون انخراط هذا المفكر في الأحداث السياسية الراهنة التي يعيشها العالم العربي والإسلامي متفاعلا معها ومبديا رأيه فيها، ولقد أرجع طه عبد الرحمان انخراطه هذا في شؤون الأمة بهذه الحدة، إلى كون الأمتين العربية والإسلامية تتعرضان لما لا تتعرض له غيرهما من الأمم، ومثل هذه القضايا الكيانية تستوجب تقديم النظر الفلسفي على التحليل السياسي، فواجب الفيلسوف أن يسابق للاشتغال بها حتى لا تهلك الأمم بما كسبت أياديها، وبالتالي، فالسؤال المركزي المطروح إذن، في خضم هذا الجدال، هو حول جوهر هذا التصور أو هذا النموذج الفكري الذي يؤسس له هذا الفيلسوف المغربي الكبير، وحول أهم المرتكزات التي يستند عليها.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى