بين السطور

بين السطور | الله يخلّينا فصباغتنا

بقلم: الطيب العلوي

    يُقال أن الطبيب يبدأ حياته المهنية بوصف عشرين دواء لكل مرض، وبعد سنوات من الخبرة، ينتهي بوصف دواء واحد لعشرين مرضا، باعتبار أنه من المعرفة والخبرة نستمد سلطان الاختيار، وخلال العواصف يُعرف الربّان(…) كما الخبير هو صاحب أكبر معرفة في أصغر موضوع.

وإذا كان النقاش القائم هذه الأيام يدور بالدرجة الأولى حول ازدواجية حمل القبعات، وخصوصا المتعارضتين منهما، قبعة السياسي وقبعة رجال الأعمال في نفس الوقت(…)، فقد أصبحت الأمور تبدو بديهية في ما يخص المبالغة في الخبرة(…) وازدواج الزمن في تولّي المهام(…)، سواء على رأس الهياكل العليا التي هي في أمس الحاجة إلى إطار قانوني جديد، أو التي تصرخ بالنجدة من أجل روح ودماء جديدة بحجم المرحلة وحجم المتغيرات(…)، كحال الهولدينغ الإعلامي العمومي، الذي بخلاف المكتوب، وما جاور المكتوب(…)، لا زال يحصد غضب المشاهد المغربي، ويعدد معه الخصومات، التي تساهم بشكل كبير في هجرته نحو وجهات أخرى(…)، أو حال “شيخ البرلمانيين”، الذي لم يغادر مقعده النيابي منذ انتخابه في أول برلمان مغربي سنة 1963، ما جر عليه التغريدة الواسعة الانتشار: “يوجد في البرلمان 394 مقعدا زائد عبد الواحد الراضي”، تغريدة تداولها الذين تفاعلوا مع تنصيب السي عبد الواحد للولاية الحادية عشر على التوالي عن دائرة سيدي سليمان، عقب نتائج الانتخابات الأخيرة، لتجعل منه ليس قيدوم البرلمانيين فحسب، وإنما أقدم برلماني في العالم، إلى درجة أن صنفته منظمة اليونسكو تراثا برلمانيا عالميا، لكونه الأكثر مكوثا في المنصب في تاريخ البشرية جمعاء.

التراث، هذا المصطلح العزيز علينا(…)، يجعل من بعض المؤسسات تحافظ بقدر الإمكان على مسيريها متحدية قوانين التغيير، المقرّة على أن عدم إمكانية البقاء في منأى عن دورة الزمان، أو العيش بعيداً عن حتمية التغيير(…)، ما دامت سنّة العيش تفرض التغيير، وما دام الكون في تغير مستمر، إلا أننا نبقى مصرين على التشبث بقواعدنا الداخلية الخاصة، المبنية على أحكام “الله يخلّينا فصباغتنا”، هذا في ظل الجدل الدائر حول سن ولوج التعليم أو سن التقاعد(…)، ولائحة الديناصورات المسيرة لا زالت طويلة(…)، الذين بلغوا من العمر عتيا، على رأس مؤسسات كلها تقنيات وأرقام(…)، لبثوا فيها قرنا أو بعض قرن، وبتعبير أكثر منطقية، يصح القول أنه تم تعيين معظمهم منذ بداية العهد الجديد، إلا أن العهد الجديد لم يعد جديداً، في حين بقي المعنيون بالأمر يتحدون الزمان والمكان وكل عوامل التعرية، وظل كل واحد منهم يجدد جلده ويخلف نفسه سنة بعد أخرى إلى أن أتموا الثمانين في صمت وبدأوا في التسعين مما تعدون.

و”الله يخلّينا فصباغتنا”، إذا كانت هذه الجملة الشعبية قد وُجهت من قبل صوب الشباب الذين اختاروا الطريق المبالغ فيه فيما يخص ميولات العصر الحديث وما يلزم من تغيير، تغييرات على مستوى الشكل، أو تغييرات اللسان(…) التي عُرفت بالهجرة اللغوية، فيبدو أن هذه “المثلة” تبقى سارية المفعول أيضا على “الشيوخ”، لكن بمعنى معاكس..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى