
بقلم: بوشعيب حمراوي
بعيدا عن تفاهة النقاش الدائر حول ما بات يعرف بحرب التراشق الفكري الرقمي حول موضوع “الشيخ والشيخة”.. والذي غطى على مطالب واحتجاجات المواطنين المتضررين من ارتفاع الأسعار، لا بد من التأكيد أن الميوعة والاستخفاف بالمواطن المغربي بات لونا من الألوان المميزة لمعظم البرامج التلفزيونية داخل قنوات القطب العمومي، وأنه بات من الواجب الإسراع بإيجاد حلول بديلة منصفة لانتظارات المغاربة.
فأن يبادر شيخ فقيه إلى انتقاد عمل تلفزيوني يتنافى مع معالم الدين الإسلامي، فهذا حقه الشرعي والقانوني، خصوصا وأن ذلك العمل التلفزيوني يسوق للمواطنين في الشهر الفضيل، المفروض أنه شهر الصوم والعبادة.. محتوى ليس مقتبسا من رواية أديب وليس بحثا أو أطروحة دكتوراه، بل هو خليط عشوائي لسيناريو مرقع لا يمكن أن يؤدي رسائل جادة وجدية تراعي ثقافة ودين وأصالة المغاربة، وتتناغم مع حاضرههم ومستقبلهم.
وأن تبادر جهات فنية إلى إنتاج وإخراج عمل تلفزيوني يعالج قضايا وطنية بجرأة وشجاعة، فهذا حق لها.. شريطة أن يكون المحتوى متناسقا وغير جارح لمشاعر المغاربة وعقيدتهم، وأن يراعي المكان والزمان، ولا يجب أن نناقش موضوع “الشيخة” في رمضان وإلا فإن الهدف منه غير معلن ولن يكون تصحيحيا ولا تحسيسيا..
وما زاد الطين بلة، خرجات بعض الرافضين لانتقادات المواطنين واحتجاجاتهم على تلك الأعمال التلفزيونية، والذين ينصحون المنتقدين بتغيير المحطات التلفزيونية حتى لا يتابعون رداءتهم.. هؤلاء الذين عليهم أن يدركوا أن عليهم مغادرة محطات قنوات القطب العمومي، والابتعاد عن الأموال العمومية إن هم أرادوا إنتاج وإخراج أعمالهم المرفوضة، فلا يعقل أن يتم إنتاج عمل تلفزيوني من أموال الشعب وتقديمه عبر تلفزيون ممول من أموال الشعب، ويخرج المنتفعون من تلك الأموال بتصريحات تهجمية على الشعب..
للأسف، تستمر هزالة المنتوجات الثقافية والفنية لقنوات القطب العمومي.. أعمال تلفزيونية دون مستوى تطلعات المشاهد المغربي المتعطش للإبداع والتميز، أفلام ومسلسلات وأعمال كوميدية وكاميرا خفية وغيرها من الفقرات التي مهما سما مخرجوها وتألق ممثلوها، فإن رداءة السيناريو وهزالة التأليف تفرغ المنتوج التلفزيوني من أي قيمة فنية أو ثقافية أو إعلامية، وتزيد من نفور المشاهدين المغاربة من تلفزيون يعتبرون أنفسهم مساهمين ماليا في إحداثه واستمراره.
والأكيد أن هناك قلة قليلة ونادرة لأعمال تلفزيونية وطنية تطرح وتعالج مواضيع حيوية وذات قيمة إبداعية راقية، وأداء يضاهي ما تنتجه باقي تلفزيونات العالم، ينقص بعضها فقط آليات وعتاد التكنولوجيا الحديثة، لكن منتوجا فنيا واحدا لا يكفي للتغطية على رداءة باقي الأعمال التلفزيونية التي يجد المشاهد المغربي نفسه مرغما على تتبعها، والتي زادته استياء وإحباطا في زمن “كورونا” وجعلته يصوب عدستيه نحو تلفزيونات دولية والعالم الرقمي.
إن المغرب يتوفر على ترسانة كبيرة من الفنانين المبدعين الذين بإمكانهم تجسيد أصعب الأدوار التمثيلية والتشخيصية بكل جدارة واستحقاق، سواء كانت درامية أو كوميدية، أو تاريخية أو توعية أو غيرها.. لكن مع كامل الأسف، وخوفا من العطالة والجوع، يضطر معظمهم إلى المشاركة في أعمال تلفزيونية بمضامين هزيلة، حيث يغيب السيناريو وتحضر مكانه مجموعة من الكتابات العشوائية الصادرة عن أشخاص لا علاقة لهم بالتأليف، كتابات محتواها لا يرقى لمستوى السواد الأعظم من المواطنين، ولا ترابط ولا تناسق في المشاهد، ولا رسائل تهم الناس، لكن ولسوء حظ هؤلاء الممثلين، فإن معظم مشاهدي تلك الأعمال الرديئة، يصبون جام غضبهم عليهم، علما أنهم ضحايا ما بات يعرف بـ”المسخ التلفزيوني”، حيث التفاهة والسفاهة شعار بعض المنتجين والمخرجين.
المنتوج التلفزيوني البئيس يوحي وكأن المغرب لا ينجب يوميا كتابا ومؤلفين وكتاب السيناريوهات، والكل يعلم أن وطننا يعج بهؤلاء، وأن ما ينقصهم هو مبادرات الجهات المعنية تجاههم، والعمل على إنهاء سياسة الأبواب الموصدة التي يسلكها التلفزيون ومعه نخبة المحظوظين من المنتجين الذين تفوز شركاتهم سنويا بعقود إنتاج أعمال معظمها تافهة.
متى يدرك هؤلاء وأولئك أن ملح العمل التلفزيوني يكمن أولا وأخيرا في التأليف، واختيار السيناريو الحامل لرسائل متنوعة تهم كل شرائح المجتمع.. رسائل التحسيس والتوعية والثقافة والترفيه الراقي؟ ومتى يدركون أنه من العار أن يتم العمل بسيناريوهات آخر لحظة بدون أدنى دراسة أو بحث.. سيناريوهات مرتجلة، سيناريوهات “التويزة” حيث استنفار مجموعة من الأشخاص من أجل كتابة مشاهد وربطها ببعضها البعض للخروج بسيناريو واحد عشوائي؟ متى ندرك أنه من العيب والعار شراء السيناريوهات من الشباب الواعد وقرصنتها ونسبها لأشخاص لم يكتبوها؟
إنها جرائم فنية تقتل روح الفن والكتابة لدى الشباب، وتقتل معها المسار الفني الإبداعي في المغرب.
على التلفزيون المغربي إذن، وكل الشركات المنتجة للأعمال التلفزيونية أو السينمائية، أن تفتح باب الإبداع والتنافس في وجوه الكتاب والمؤلفين للروايات والقصص والتاريخ والجغرافيا، وأفلام الخيال العلمي والمستقبليات، وكل أنواع الكتابات التي يمكن تحويلها إلى أعمال تلفزيونية، ولم لا يتم الإعلان عن مسابقة سنوية بجوائز ذات قيمة مالية عالية من أجل تحفيز هذه الفئة على الإبداع حتى يصبح لدينا أرشيف وخزان أدبي وفني يمكن لشركات الإنتاج الولوج إليه والاعتماد عليه كمرجع ذا قيمة من أجل البحث عن مواضيع راقية بطعم وبصمة مغربية.
فلا يعقل أن تمتد سياسة الزبونية و”باك صاحبي” حتى في انتقاء كتاب السيناريوهات بعدما امتدت إلى انتقاء الشركات المنتجة والممثلين، ولا يمكن أن نجعل من أي شخص مؤلفا أو كاتب سيناريوهات لمجرد شرائه مؤلفات الغير، أو قرصنة بعضها ممن تعود لشباب واعد، ونقصي من هم أحق.



