المنبر الحر | إلى متى يستمر نزيف الدماء والدموع والعرق ؟

بقلم: بوشعيب حمراوي
معذرة إن أطلت الشرود حيث اللابشر.. معذرة إن صوبت منظاري وكل عتادي الفكري والجسدي صوب عالم افتراضي، بعيدا عن عالمنا القذر حيث زحمة الشوارع وضوضاء أبناء وبنات حواء وآدم.. معذرة إن كان قلبي ينبض بحياة بديلة ويسعى إلى بناء عالم جديد لا نحتاج فيه إلى مراكز ودوريات أمنية لحماية البشر في تنقلاتهم اليومية، ولا إلى محاكم لإنصاف المظلومين، ولا وسائط ولا سماسرة زرعوا ويزرعون الفتن.. ألهبوا ويلهبون الأسواق التجارية بأسعار خيالية، وخدمات وهمية.. عالم مضيء برواده، لا حاجة له بالإنارة العمومية من أجل رصد اللصوص والمنحرفين، عالم تنعدم فيه وظائف المراقبة والوصاية، وتمنع فيه كلمات من قبيل سلطة، أمن، درك، مخزني، جندي… يكون فيه الكل مسؤولا عن الأمن والطمأنينة والراحة البشرية..
كنت هناك أفكر في السوائل البشرية الطاهرة من دماء ودموع وعرق.. رخصتها البشرية ذاتها، كنت أفكر كيف أن الدموع التي هي العمود الفقري لأحزان البشر هي نفسها النشوة الأخيرة لأفراحهم.. قطرات منها لوقف الأذى الذي قد يلحقه الحزن بباقي الجسد أو لختم الفرح الذي يتدفق ويغرق كل أعضائه الجياشة، كنت أفكر كيف أن الدماء هي نفسها التي تجري في كل العروق البشرية، بنفس لونها وكميتها وتركيبتها مع اختلاف بسيط في بعض مكوناتها.. دماء وخلايا وأعضاء بشرية بنفس الوظائف التي تحكمها مدونة شغل ذاتية موحدة، ونفس البرنامج الغذائي والحمائي.. كيف أن هذا السائل الأحمر النادر والنفيس لا يجد من يثمن قيمة وجوده، كيف أن البشرية التي تعتبره الوقود والزيت لكل محركاتها، هي نفسها البشرية التي رخصته وترخصه، واستباحته وتستبيحه، وعاشت وتعيش من أجل الإبداع في الطرق والأساليب لتفجير مجاريه، والقذف به إلى خارج أجسادنا إلى حيث لا يمكنه ولا يمكننا العيش..
كنت أفكر في عرق يسيل من جسد منتشي، وعرق يصب من جسد تعمل أعضاؤه بجد وكفاح، وترغم على الأعمال الشاقة من أجل المصلحة العامة، أو من أجل ضمان قوت يومي استعصى تدبيره داخل محيط لا يرحم، كنت هناك حيث لا يمكن أن أكون كما لو أنني الآن كائن، كنت هناك حيث الآن غير كائن ولا مكنون، كنت بعيدا عن نفسي البشرية.. أحاور الروح التي لا تعترف بالجسد، ولا تعرف معنى السوائل البشرية من دماء ودموع وعرق، كنت أناجي اللاشيء، أسأله عن مصير من بذر تلك السوائل، وعمن أرهق الأجساد وجعلها تفرز تلك السوائل وتقذف بها إلى حيث العبث، كنت أبحث في قاموس البشرية عن بشر في مستوى تلك الروح وفي مستوى الأمانة على كل أعضاء الجسد.. بشر لا يؤمنون بالحدود الجغرافية ولا التاريخية، عيونهم لا ترى اختلاف ألوانهم وأجناسهم، وعقولهم لا تميز بين فقرائهم وأغنيائهم، بشر لهم القدرة على استئصال كلمات التفرقة والميز العنصري من قواميسهم اللغوية، بشر يدركون حق الإدراك أن طرق صرف وتدبير قطرات من الدماء أو الدموع أو العرق، تحدد قيمة وهوية أصحابها كما تحدد مستقبل ومسار البشرية جمعاء، وأن الإنسان واهم إن ظن ولو للحظات أنه يمكن أن يجد مصيرا له في عزلة بعيدا عن بني جنسه.
سأعود إلى التفكير اليوم وغدا إلى أن يتحقق واقع خلوتي، فمعذرة إن صادفتموني شاردا بعيدا عن عالمكم، وإن أغفلت نداءاتكم وابتعدت عن دردشاتكم وحواراتكم اليومية.. ومرحبا بكم إن وددتم مزاحمتي في عالمي والغوص في جوهر الحياة وعصارة مصانعها المبذرة، مرحبا بكم لتتذوقوا من رحيق البشرية ولتدركوا قيمة سوائلنا الطاهرة التي تنزف من أجسادنا بسبب طعون سيوف وسكاكين الفساد والاستبداد التي نتبادلها في سكوننا وحراكنا، مرحبا بكم في عالمي الذي هو في حاجة إلى أسوار بشرية، لتنزيله بديلا لعالمكم.. أنتم قادمون لا محالة.



