بين السطور

بين السطور | “فلوس اللبن يدّيهم زعطوط”

بقلم: الطيب العلوي

    يشير مصطلح “التقشف” في علم الاقتصاد، إلى كل سياسة ترمي إلى خفض الإنفاق، وغالباً ما تلجأ عبرها الحكومات إلى إجراءات تُدعى بـ”التقشفية”، بهدف خفض العجز في الموازنة.

لكن السياسات التقشفية ليست وليدة اليوم(…)، بل إنها بدأت مع الصحابي أبي ذر الغفاري، الذي آثر حياة التقشف والعزلةعلى حياة الترف والتمتع بالحياة(…)، بعد أن ذهب إلى دمشق في عهد سيدنا عثمان بن عفان، والتي كان معاوية بن أبي سفيان وليّاً عليها، لمشاركته في الفتوحات، وكان ممَّن خرجوا مع معاوية إلى فتح قبرص، إلا أن نقطة الاختلاف بينهما تجلّت في مظاهر الترف التي سادت في الشام، فبدأ أبو ذر يدعو الناس إلى التقشف والزهد، حتى تجمع حوله كثير من الفقراء، إلى أن شعر معاوية بالخطر(…)، وبما أنه يعرف قدر أبي ذرّ، فلم يقربه بسوء، ولمّا التقى أبو ذر بعثمان بن عفّان في المدينة المنوّرة، جرى بينهما حوار حول أفكار التقشف التي يدعو إليها، وأصرّ أبو ذر على نفس مواقفه دون أن يأمره عثمان بالرجوع عن آرائه، بل على العكس، طلب منه أن يكفّ عن الإنكار على الناس ما هم فيه من المتاع الحلال، إلى أن اختار أبو ذر العزلة من جديد، في مكان على طريق يُدعى “الرّبدة”، قصده طوعاً، بخلاف ما قيل فيما بعد، أنه نُفي إليها..

دارت الأيام، وتنوّعت الأحداث، وتغيّرت الظروف، وفي بلادنا، سبق أن ألقى الملك محمد السادس سنة 2020، خطابا بمناسبة افتتاح السنة التشريعية، حمل في طياته إشارات إلى أن المغرب مقبل على مرحلة تقشفية بسبب الأزمة المتمخضة عن جائحة “كورونا”، حديث معقول ربط فيه المسؤولية بالمحاسبة(…)، فيه تلميح إلى قرب نهج سياسة تقشفية،كما يتضمن رسالة إلى الأحزاب السياسية التي رفعت آنذاك مقترحاً إلى وزارة الداخلية يهدف إلى إضافة ثلاثين مقعداً جديداً لعدد مقاعد مجلس النواب، ما جعل من لغة الملك خلال هذه المناسبة، أول خطاب له منذ تولّيه الحكم ذا حمولة تنفيذية، ولم يكن خطابا تشخيصيا أو توجيهيا فقط على غرار الخطابات السابقة(…).

لكن الجانب التنفيذي هذا، جعل من توجيهات المسؤولين التقشفية، منذ ذلك اليوم، “موضة”، الكلّ بدأ يحثّ على التقشيف والتقشف، مع نسيان كون “فلوس اللبن يدّيهم زعطوط”، نفس الغلط التواصلي الذي جرّ مؤخراً على السيدة نادية فتاح، وزيرة الاقتصاد والمالية، انتقادات كثيرة، بعد أن دعت إلى ترشيد الاستهلاك، بتنبيه المغاربة إلى مزيد من الوعي، وتفادي التبذير الكبير الذي يطال مجموعة من المواد الاستهلاكية كالخبز والمعجونات، واقتنائها بكميات معقولة.. مع نسيان أن المغاربة من عاداتهم وطباعهم “تا حاجة ما كضّيع”، وحتى ما ضاع في القمامة، يتم استخلاصه في المزبلة “حاشا السامعين”، من لدن من هو أفقر، وأن خطاب توجيه الاستهلاك، على غرار معنى مصطلح التقشف المذكور في بداية المقال، بالأحرى أن يكون هذه الأيام(…) صوب عمليات تتطلب تدبيرا أكثر، كتلك المهتمّة باقتناء أغلى الأجهزة العسكرية الإسرائيلية المسماة بـ”القبة الحديدية”، المصحوبة بمجموعة من أنظمة الرادار وأجهزة دفاعية أخرى، التي سأتجنب هنا الإعلان عن ثمنها، والتي على كل حال، لن ينصح أبو ذر الغفاري أي أحد باقتنائها..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى