بين السطور

بين السطور | الزمن الكثيف والزمن اللطيف

بقلم: الطيب العلوي

    تحكي إحدى القصص القديمة، من الزمن اللطيف(…)، على لسان العالم الصالح محمد بن المنكدّر، أنه لمّا أصاب أهل المدينة القحط، وحلّ بأهلها الجوع والفقر(…)، خرج أهل المدينة الصالحون العابدون، يدعون ويطلبون المطر، فما استُجيب لدعائهم، وما نزل المطر، وفي نفس الليلة، قصد بن المنكدّر المسجد لأداء صلاة العشاء، وبينما هو متكئ لوحده على إحدى ساريات المسجد المظلم بعد أن غادره المصلّون، دخل عليه رجل أسود لم يبالِ به ولم ينظر حتى إليه، وأخذ يقول: “يا الله يا ربّاه، لقد خرج أهل حرم نبيك (ص) يستسقون فلم تسقهم وأنا أقسم عليك يا الله لتسقينهم الساعة يا الله”.. فما إن وضع الرجل يده حتى سمع بن المنكدّر الرّعد وجاءت السماء بالمطر، ما أثار كثير تعجبه، وجعله يتبع هذا الرجل الأسود حتى يعلم منزله، وفي اليوم الموالي، لمّا توسطت الشمس، قصد بن المنكدّر بيت صاحب ليلة البارحة، فوجده جالساً يخيط النعال، وما إن رآه الرجل حتى غضب وصرخ في وجهه: “ما شأني وشأنك، ما الذي جاء بك، وما الذي جعلك تتبعني؟”، وازداد غضبه إلى أن قرر بن المنكدّر الانصراف حتى لا يحدث شر، وبعد أيام، عاد بن المنكدّر إلى دار ذلك الرجل الأسود من جديد، فوجد بابه مفتوحاً ولا أحد عنده، فاقتربت منه عجوز لتقول: “يا أبا عبد الله، ماذا فعلت معه، فمنذ أن قابلته، جمع أمتعته وخرج من البيت ولم يعد”.

لتبقى العبرة، أن الرجل فضل أن يتوارى عن الخلق، لمجرّد أنَّ أحداً عرف السر الذي بينه وبين ربّه، والمغزى يكمن في جمالية العمل الصالح الخالص الذي لا يعلمه أحد(…).

كان هذا إبّان الزمن اللطيف، أما في الزمن الكثيف(…)، فرغم أن إقامة صلاة الاستسقاء فيه على الوصف المعهود(…) أصبحت تتعذر، على أمل هطول الأمطار التي ينذر تأخرها هذا العام بموسم جفاف يهدّد القطاع الزراعي، الذي يتوقع فيه تسجيل إنتاج محصول الحبوب بـ 25 مليون قنطار فقط بدلاً من 103.2 ملايين قنطار في السنة الماضية، (رغم ذلك) فقد بشّرنا السيد عبد اللطيف الجواهري، والي بنك المغرب، مؤخرا، من خلال ندوة صحفية عقب الاجتماع الفصلي الأول لمجلس بنك المغرب برسم سنة 2022، بأن إنقاذ الزراعات الربيعية يمكن أن يرفع النمو الاقتصادي خلال السنة الجارية إلى ما بين 2 و2.5 في المائة عوض 0.7 ؜% المتوقعة حاليا، مع إمكانية تحيين التوقعات الاقتصادية ابتداء من الشهر المقبل، بفضل التساقطات المطرية المسجلة مؤخراً.

وسط كل هذا، وفي ظل الوضعية التي نعيشها اليوم، والتي وصفها السيد والي بنك المغرب بالغير مسبوقة، لأن التوقعات، على حد قوله، أصبحت محفوفة بعدم اليقين بمستوى يفوق ما عشناه خلال أزمة فيروس “كورونا”، قبل الإشارة إلى أن: “النماذج المعتمدة في مثل هذه الظروف، يجب مقاطعتها مع عوامل أخرى للوصول إلى أرقام قريبة من الواقع”، فإننا نبقى لحد الآن بعيدين رغم كل شيء(…)، عن الأرقام المُتوقعة من الحكومة(…)، وكذلك عما يخص النمو الاقتصادي، الذي حدّدته في نسبة 3.2 % برسم قانون مالية 2022، بعيداً عن 0.7 %؜ التي حدّدها الواقع(…)، كما أننا سنبقى بعيدين عن هوية الرجل الأسود الدّاعي بالشتاء، والمُستجابة دعوته..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى