المنبر الحر | صواريخ “مول الكرملين” تنفجر في وجه “مول الحانوت”

بقلم: الطيب آيت أباه
من مواعظ والدنا رحمة الله عليه فيما يتعلق باتخاذ الحيطة والحذر عند التعامل بالبيع بالدين أو “المصارفة” أو ما يصطلح عليه عاميا بـ”الكريدي”، نكتة عبارة عن طُرفَة بليغة، تحكي فصولها أن ((تاجرا حلّ بأحد الأحياء الشعبية، فاكتَرى بها محَلّين متجاورين، ولكنهما منفصلين أحدهما عن الآخر. أثَّثَ كلاهما بنفس التجهيزات والمعدات، غير أنه اكتفى فقط بعرض السلع والمنتجات في واحد منهما، بينما ترك الثاني مقفلا برفوف فارغة! توكّل مول الحانوت على الله، فشرع في تجارته يرجو النماء لمشروعه، لكن ما إن انقضت فترة الهدنة المعروفة بـ”أسبوع المشماش” حتى بدأ الزبناء المحتملون في بعث أطفالهم محملين برسائل الإغاثة، على أمل التمهيد عن بعد لتدشين مرحلة التعامل بالدين! رهط منهم راهن على علبة طماطم من الحجم الصغير لحجز مكان آمن بين صفحات “كناش الكريدي”، ورهط آخر توارَى خلف كيس ملح بهدف التسلل المبكر إلى فهرس كراسة الديون، وتكتيكات وخطط عديدة ومتنوعة تعتمد في مجملها على أسلوب الشجرة التي تُخفي الغابة!
لقد كان مول الحانوت بحيلته الرادعة جاهزا متسلحا لهاته اللحظة الفارقة، بحيث كلما تقدم إليه مثلا طفل بطلب بضاعة ما، على نحو: “عمي، لقد أرسلتني ماما تستأذنك بمنحنا علبة طماطم صغيرة إلى أن يعود بابا من العمل في المساء، فيدفع لك حقها”، كان يُجيبه مجازا وبدون تردد: “آسف يا بُني، فلم أفتح بعد التسجيل في هاته المباراة”.. هكذا كُلما انصرف الطفل المبعوث إلى حال سبيله خالي الوفاض، يحمل مول الحانوت الطلبية المعنية بالتفاوض من محله المكدس بالبضاعة، ويفتح محله الثاني (المحل الفارغ) فيضعها على الرفوف هناك، ثم يعاود إغلاقه بإحكام ينطوي على الكثير الحكمة والتبصر!!
وهكذا استمر مول الحانوت يتصرف بنفس الاستراتيجية مع جميع محاولات اختراق قلعته إلى أن صارت تظهر بشكل فاضح ملامح الإفلاس المبين على متجره الأول! حينها قرر إغلاق دكانه السابق الذي أمسى شبه فارغ، ثم انتقل إلى دكانه اللاحق الذي غَدَا عامرا ممتلئا، ومنذ اللحظة التي حقق فيها تلك النّقلة النوعية في حياته المهنية، أصبح يُفشل ويتصدّى لكل محاولات إعادة تشغيل أسطوانة الكريدي، بالإشارة إلى متجره الأول وهو يتحسر عن ماضيه المرير، مُشهرا عذره بلباقة شديدة في وجه كل ملحاح، مرددا قوله: “عفوا سيدي الكريم، لعلك تتذكر ذاك المتجر الذي غادرته مرغما؟ فبسبب هذا الكريدي الذي ترغب فيه أنت الآن، عجزت من قبل عن الاستمرار هناك، ولو لا أنني اليوم هنا، لكان مصيري من بعد أسوء مما تعتقد)).
كانت هذه مجرد فسحة بين نوعية الأفكار التي ما انفكت تروج في أذهان الرعيل الأول من مالين الحوانت عندما كانوا يراهنون على الأحياء الشعبية، حيث لا ينقطع التواصل بين المطبخ والدكان، إلى درجة يصبح فيها مول الحانوت مع توالي الأيام فردا من أفراد العائلة، ويتحول متجره من كثرة التردد عليه إلى مرفق من مرافق المنزل.. هذا بخلاف نوع آخر من الخَلف انعرجوا عن هذا المسار نحو الأحياء الراقية، فلم يكن يخطر ببالهم أن تصل صواريخ بوتين إلى حيث يحتمون من ويلات الأزمات خلف القدرة الشرائية المرتفعة لزبنائهم، حتى صاروا يسمعون بين الفينة والأخرى تلميحات عن الهزائم النكراء التي تكبدتها جيوب رواد “البيسري” و”الميني مارشي”.
لم يعد يخفى على أحد ما بات عليه الوضع الإنساني بأوكرانيا من تدهور آخذ في التفاقم، مع مشاهد القصف والنزوح المتداولة عبر القنوات العالمية، المحَطمة للمعنويات والمكرسة للتعايش مع الأزمة! ولعل من مكر الصدف أن يقع مع أمريكا وروسيا ما وقع مع مول الحانوت، حينما طبقت إلى حد ما كل واحدة منهما على حدة فوق تراب كييف، استراتيجية الانتقال من دكان جس النبض إلى دكان المواجهة تفاديا لأي إفلاس محتمل! وإن كان ذلك بأساليب مختلفة من ناعمة إلى خشنة، إلا أن الأهداف في شموليتها تروم كلها نحو النقطة الفريدة والمتمحورة حول الحفاظ على المكتسبات، عند الانتقال الآمن من دكان الاختبارات إلى دكان التحديات، حيث لعب في مجرياتها الرئيس زيلينسكي دور الطفل المبعوث، تارة يتحدث باسم الدول، وتارة أخرى يتحدث باسم الشعوب، وشغله الشاغل أن تحظى عائلته بالرعاية؟!
عموما، ليست لدينا المؤهلات الكافية التي تخولنا التعمق في تحليل النوايا، وهذا طبعا لا يمنعنا من نسج بعض التخمينات في حدود ما نلتقطه من إشارات. وبالعودة إلى مول الحانوت، لا يسعنا إلا أن نستنتج أن الحرب القائمة في أوكرانيا قد بدأت شرارتها تصل إلى جيوب المواطنين، بعد أن شبت نيرانها في مصادر الطاقة، واشتعلت حول خبز الفقراء بعيدا عن الكرملين.. فهل يا ترى هنالك من يفكر بجدية في فتح ممرات آمنة للنازحين من عوز دائم إلى عوز منفرج؟ والحال أن مول الحانوت ونحن على أبواب شهر رمضان، تحت وابل من القصف، لا يكاد يهدأ حتى ينطلق من جديد.



