المنبر الحر

المنبر الحر | عن أي علمانية يتحدثون ؟

بقلم: ذ. محمد جباري

كاتب وباحث

تتمة المقال تحت الإعلان

    قال إريك زمور، المرشح الفرنسي للرئاسة الفرنسية، في تصريح صحفي أنه إذا أصبح رئيسا لفرنسا فسيمنع تسمية المواليد باسم محمد، وفي جوابه عما إذا كان سيطلب من المسلمين إنكار دينهم حتى يُقبلوا ضمن الجمهورية الفرنسية، قال إنه سيفعل ما فعله نابليون بونبارت مع اليهود خلال الثورة الفرنسية، حيث كان نابليون قد شرع قانونا يمنع تسمية المولودين بفرنسا بأسماء غير فرنسية، كما أعلن ماكرون أن فرنسا ستمول المدارس المسيحية بالشرق الأوسط، أما في الهند، الدولة العلمانية حسب الدستور الذي ينص على الفصل بين الدين والدولة، ويكفل حرية الملبس للمواطنين، فتقوم هذه الدولة، بين الفينة والأخرى، بإجراءات وتشريعات عنصرية ضد الأقلية المسلمة، لعل آخرها قرار حظر الحجاب في المدارس والجامعات بولاية كارناتاكا جنوب البلاد، والذي أثار موجة غضب واستنكار واسعة بالولاية، وأدى إلى صدامات بين الهندوس والمسلمين.

تتمة المقال تحت الإعلان

بدأت الإرهاصات الأولى للعلمانية مع عصر النهضة الأوروبية، والثورة على الفكر القروسطي الذي تمثله الكنيسة الكاثوليكية، وانطلاق حركة الإصلاح الديني، بعد ظهور مذهب جديد أكثر عقلانية وتسامحا هو البروتستانتية على يد مارتن لوثر، وبعد حرب الثلاثين سنة، خلال القرن السابع عشر بين الكاثوليك والبروتستانت، تم التوقيع على اتفاقيات “وستفاليا”، التي تعد مدخلا للحداثة، حيث أقرت المساواة بين المذهبين، وأنهت الصراعات الدينية، وأسست للتعددية الدينية والسياسية في إطار مبدأ أن لكل منطقة دينها.

تتمة المقال تحت الإعلان

إن الجدل الدائر اليوم حول العديد من التشريعات والتصريحات المشحونة بالنزعة الدينية، الصادرة عن بعض الدول المسماة علمانية ضد الأقليات المسلمة بها، يدفع إلى مساءلة حقيقة وواقع العلمانية كمبدأ وسياسة في هذه الدول، ومراجعة مفهوم العلمانية، بما هي فصل للدين عن الدولة، واستقلالية وحيادية الدولة عن أي إيديولوجيا، والإقرار بالتعددية الدينية والسياسية، والتحرر من الدوغمائية، والتطبيق العملي لمبادئ الديمقراطية والعقلانية، وضمان الحرية وحق الاختلاف الثقافي… إلخ، والمفارقة هنا، هي أن الدولتين اللتين تثيران كل هذا اللغط والجدل، وهما فرنسا والهند، تعدان نموذجا في العلمانية، وينص دستورهما عليها، وهو ما يجعل الدول التي تدعي العلمانية اليوم، في تناقض صارخ بين القيم العلمانية والخطابات والتشريعات الدينية المنحازة، وهذه الخلاصة هي التي عبر عنها جواهر لال نهرو سابقا، وقال يبدو أننا في الهند نملك شخصية منفصمة، فنحن نتحدث عن اللاعنف وعن مدينتنا وثقافتنا، بينما ننحدر في سلوكنا اليوم إلى مستوى من العنف غير مدني أبدا.

الواقع أن انزعاج الدول التي تدعي العلمانية، من بعض المظاهر البسيطة والشكليات الهندامية، كالحجاب، يسائل قوة ومتانة ومفهوم العلمانية لدى هذه الدول.. فأي خطر وأي تهديد يمثله سلوك بسيط يتجلى في ارتداء منديل على الرأس أو حول الجسد أو حمل أي رمز، على الدولة والمجتمع؟ أليست هذه السلوكيات والاختيارات الشخصية تعبير عن ارتياحات الشخص، وحقه، الطبيعي في حرية التصرف في جسده كما كفلته له منظومة حقوق الإنسان، وفلسفة الحق الطبيعي، علما أن هذه الدول تعتبر نفسها الحامية والساهرة على حماية وترويج حقوق الإنسان في الدول المتأخرة؟

في هذا الإطار يقول الفيلسوف الفرنسي البلغاري، تزيفتان تودوروف تثير الأحزاب الشعبوية، باستمرار، قضية النزعة الإسلامو- فاشية كما لو أن ما يعيق حياتنا، قبل كل شيء، هو مصادفة النساء المحجبات في الشارع، ويضيف أنه لا يرى أي شيء مخز أو شائن في أن تقوم النساء بارتداء الحجاب في أثناء مرافقة أبنائهن في الرحلة المدرسية.

لكن الخطير في الأمر، هو أنه إذا كانت المدرسة، كما تقول الدول العلمانية، هي أساس ومنبت الديمقراطية وقيم الدولة، بما هي تحضير لمواطن ومجتمع الغد المنفتح والمتعدد، فإن التسييس والأدلجة والتلاعب الذي يتم بعلمانية المدرسة، سينعكس حتما على المجتمع لاحقا كمجتمع رافض للآخر، ومتشبع بالعنصرية والتطرف الديني، مما يضع الحداثة وخطاب القيم الكونية، وعلى رأسها العلمانية، التي تتباهى بها هذه الدول، في مأزق ويجعلها محل ريبة وشك من قبل الدول المتخلفة ودعاة العلمنة واحتذاء النموذج الغربي في التقدم، حول قدرتها على ضمان مجتمع منفتح، يحتضن كافة الأطياف الدينية والفكرية في إطار التعددية الثقافية.

إن الإجراءات والتطورات العنصرية التي تجري في الدول العلمانية اليوم، تؤكد، كما أشار إلى ذلك الفيلسوف تودوروف، تآكل الديمقراطية من الداخل، فبعد القضاء على أعداء الديمقراطية في الخارج بسقوط الشيوعية، ونهاية التاريخ كما يزعم فوكوياما، أصبحت الآن مهددة من الداخل، من لدن الشعبوية الصاعدة، التي تدفع إلى مجتمع أكثر انغلاقا وشوفينية، وتؤجج كراهية الأجانب، وهذا ما يضع الديمقراطية أمام امتحان صعب، ويدعوها إلى مراجعة نفسها قبل أن تنقلب إلى ديكتاتورية تجر العالم، مجددا، إلى حرب عالمية جديدة أبشع وأخطر.

لا نحتاج لعناء التفكير لكي نقول لهذه الدول التي تتبجح بالعلمانية والحرية الدينية والمساواة، أنها دول دينية بالأحرى، فالدين في هذه الدول لم يمت أبدا، رغم السياقات التاريخية التي مرت منها، بل الملاحظ أنه يعود بقوة إلى المشهد السياسي، ويسيطر على المشاعر والوجدان، ويظهر جليا في القرارات الحكومية المتأثرة بالنزعة الدينية.

إذن، بعد كل هذه التراجعات والانتكاسات القيمية، التي تحدث في كل حين بالدول العلمانية، هل ما زال رؤوس العلمانية بالعالم العربي متشبثين بآرائهم ودعوتهم إلى اقتباس العلمانية ونسخ تجارب دولها، والقطع مع التراث، باعتبار ذلك هو الحل لتجاوز مشكلات التخلف في بلدانهم؟ أليس الإسلام هو الحل؟

المسلمون أمام مصدرين للخروج من الحفرة الحضارية مصدر بشري تمثله الدول الحداثية، وهو مصدر غير موثوق، وبرهن عن إخفاقات وتراجع عن المشروع الحداثي الكوني الذي بشر به، ومصدر إلهي هو الإسلام، ثابت ودائم في مبادئه وقيمه، وأنتج مجتمعا جد راقي ومتقدم عندما طبقت مبادئه وتشريعاته. ويشرح الأستاذ عبد الهادي بوطالب هذه المسألة، قائلا إن ما يمنحه الإنسان مؤقت ومتغير، حيث قد يتراجع عنه في أي لحظة حسب الظروف والمزاج، فيصادره ويسحبه بالطريقة نفسها التي منحه بها، أما ما يمنحه الله للإنسان، فيتسم بالديمومة والثبات، وبالتالي، لا خوف من فقدانه.. وهكذا نرى أن الإسلام باقٍ هو ذاته في مبادئه وتشريعاته منذ الوحي إلى أن يرث الله الأرض وما عليها.. فاختاروا أيها المسلمون ماذا تريدون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى