المنبر الحر | كيفية تحرير الملك العمومي بطرق عملية

بقلم: عثمان محمود
ينتهي عمل مجلس منتخب ويبدأ عمل مجلس آخر جديد والملك العمومي يتطلع إلى الانعتاق من ربقة الاستحواذ الجائر، ونير الاحتلال البغيض الذي مارسه، ويمارسه أناس لا يتركون الشبر الواحد من ذلك الملك في حال سبيله، فضاقت على إثر ذلك الأزقة على المارة، وتشوهت أرصفة الشوارع، واكتظت الساحات بالباعة في فوضى عارمة، وإذا أعلن عن حملة للتحرير تمت مجابهتها بعمليات نهجها الكر والفر والتحايل، إلى أن يدب إليها الفتور، فتستثب الأمور وكأن شيئا لم يكن! لا لشيء إلا لأن تلك الحملات تكون عابرة وغايتها المنع من أجل المنع، وليس إيجاد الحلول العملية التي تستوعب الظاهرة قصد تنظيمها في إطار تستفيد منه المدينة وساكنتها باعة ومستهلكين، وهذا لا يمكن أن تقوم له قائمة في غياب تخطيط محكم يبدأ من إحصاء دقيق للباعة المتجولين، ويمر بتصنيفهم حسب ما يعرضون من مبيعات، وينتهي عند تخصيص بعض الساحات المعبدة، كتلك التي تقع مثلا أمام الملاعب أو المسابح وما شابه ذلك، خلال يوم أو يومين أسبوعيا، كل مجموعة من الباعة في مكان مع تحديد أمكنة العرض بوضع علامات، وتخصيص ممرات، على أن يكون ما توضع عليه البضائع متنقلا لا ثابتا، وفوق هذا كله، ينبغي أن يكون توقيت بداية العرض ونهايته محددا، بحيث تكون الساحة في صباح اليوم الموالي خالية ونظيفة ومستغلة بشكل طبيعي في الذي أعدت له عند إنشائها أول مرة، أو تفتح في وجه مجموعة أخرى من الباعة تعرض بضائع لا تمت بصلة إلى ما عرض بالأمس، مع اشتراط النظافة واجتناب الصراخ المبالغ فيه، وما إلى ذلك من ضروب الفوضى والغوغائية التي تميز أسواقنا العشوائية! وفي إطار التنظيم، ينبغي أيضا الاتفاق على نماذج موحدة من العربات المدفوعة أو المقطورة، منظمة ومزينة، وما عليها من بضائع معروض بشكل يسر الناظرين، ويسهم في جمالية المكان الذي تقف عنده أو تمر به.. فلا يعقل أن تتعاقب السنوات والعربات داخل العديد من مدننا بدائية الصنع كما لو أنها توارثت جيلا عن جيل يشترط عدم تغيير هيكلها العام! وها هي الدراجات ثلاثية العجلات، وشاحنات نقل البضائع الصغيرة تدخل المعترك، ولا تنسيق يبدو عليها. فلماذا لا يتم مثلا توحيد اللون؟ ولماذا لا توضع لها أرقام مرتبة على غرار سيارات الأجرة؟ لماذا لا يتم توحيد مواصفات ذات جمالية للواقيات التي تعلو الجزء المخصص لوضع البضائع في تلك الدراجات والسيارات؟ أمور قابلة للتحقيق على أرض الواقع إذا أعدت مجالسنا المنتخبة الخطط، وسهرت على تنفيذها، والتحكم فيها.. أليست هي التي تسلم الرخص؟ فلتكن بنود الترخيص واضحة، وعدم التقيد بها يعني حتما سحبها حتى تكون في ذلك دروس مباشرة لمن لا يعيرون اهتماما لما تتضمنه الرخص من شروط ومتطلبات، فلا يعقل أن تعطى مثلا رخصة إلى صاحب مقهى عينه مركزة على الساحة التي تقع أمام المحل التجاري الذي يعتزم فتحه، على الرغم من أنه يظهر للعيان أن مساحته غير كافية لاستقبال الزبائن كما ينبغي؟
أعتقد أنه آن الأوان لمجابهة الاعتداء على الملك العمومي بخطط عملية مدروسة فيها تنظيم ودقة ونظافة وجمالية، وربح وفائدة لكل الأطراف بدل الاعتماد الكلي والمؤقت على التشدد والقوة التي تواجه في الغالب بالتفنن في التحايل والخداع، الذي يطيل عمر الفوضى، والتهرب من تأدية الواجبات، حتى ولو حقق أولئك الباعة المحتلون للملك العمومي أرباحا يعجز عن تحقيقها أصحاب المتاجر والدكاكين الملزمون بتأدية ما عليهم من ضرائب سنوية، فضلا عن متطلبات الكراء وما إليها.



