بين السطور

بين السطور | الاحتكار يقطع الأرزاق والخبز يقطع الأعناق

بقلم: الطيب العلوي

    على مرّ التاريخ، كان النقص الحاد في محاصيل القمح موضوعا محفّزا لاندلاع الفوضى والاحتجاجات، كتلك التي عرفتها مدينة ليون بفرنسا عام 1529 ولُقّبت بأحداث “التمرّد الكبير”، بعد موسم حصاد سيّء(…) أدّى إلى ارتفاع أسعار القمح بشكل لافت، وما شهدته باريس يوم 14 يوليوز 1789 من ثورة هُوجِم فيها حصن “الباستيل” وتم الاستيلاء عليه لسببين اثنين: هما البارود المغذي للبنادق والمدافع، ومرّة أخرى القمح المغذي للأفواه والبُطون(…).

وإذا كان ما عاشته فرنسا إلى حد نقطة اللاعودة بعد أحداث ثورة دامت حوالي عشر سنوات وانتهت بانقلاب نابوليون بونابارت عام 1799، وحصوله على منصب القنصل الأول، كلها عواقب لتجاهل الملك لويس السادس عشر لنصيحة سياسييه آنذاك، الذين سبق أن قالوا له: “لا تتدخل بالخبز”، بناءً على فكرة: “يمكنك أن تتحكم في الجماهير الغاضبة، لكنك لن تسيطر على الجماهير الجائعة”، فإن هذه المفاهيم برهنت على ثبوتها كما حصل يوم 21 أكتوبر 1789، لمّا هاجمت نفس الجماهير الباريسية الغاضبة، الخبّاز دينيس فرانسوا، متّهمة إياه باحتكار الخبز، ولم تتردد في تقديمه لإحدى الساحات لشنقه وقطع رأسه.

وقائع كثيرة من هنا وهناك(…) تبقى مدوّنة في سجلات التاريخ، وأيضا في النفوس وذاكرة الإدراك الجماعي لأهمية الخبز في استقرار الأمور.. وهو – بلا شك – ما زرع الخوف بشتى أنواعه(…) مؤخرا من “فوضى الخبز” القادمة، في صدور الدول العربية، بسبب التصعيد الحالي بين روسيا وأوكرانيا، خصوصا بعد أن حذر معهد الشرق الأوسط للأبحاث، من أنه “إذا ما عطلت الحرب إمدادات القمح للعالم العربي، لكون روسيا وأوكرانيا تعدان أول موردي القمح بالنسبة لمعظم دوله، فقد تؤدي هذه الأزمة إلى تظاهرات جديدة وعدم استقرار أكيد في دول عربية عديدة”، على حد قول المعهد، تصريحات دفعت كلها في الوقت الراهن الدول المعنية بالرّد(…) كل على “قد جهدو”، وكل بطرقه ووسائله، من مصر التي طمأنت حكومتها عباد الله على أنها تتوفر على مخزون “استراتيجي” للقمح يكفي لتغذية سكانها لمدة 9 أشهر، والجزائر لمدة 6 أشهر، وتونس 4 أشهر، وسوريا شهرين، ولبنان شهرا واحدا ونصف، أما دولة كاليمن، فبدأ رجالها يهمسون لأولادها، بأن الخبز في طريق التحول إلى سلعة فاخرة، أما المغرب، والحمد لله، بفضل استباقه للأحداث وتوقعاته الصائبة(…)، فقد سبق أن صرّح، نهاية شهر مارس الماضي، أي منذ أزيد من سنة،  وحتى قبل اندلاع الحرب على أوكرانيا، على لسان الكاتب العام للفيدرالية المغربية لأرباب المخابز، بأن “الدقيق المستخدم في البلاد لا يصلح حتى لعلف البهائم، ومنتوج المطاحن المغربية يُستخدم في دول أخرى فقط لتغذية الدجاج والمواشي”، ما خلق جدلا واسعاً بين الأوساط المهنية العاملة في مجال المخابز والمطاحن في المغرب.

بغض النظر عن الارتفاع المرتقب لأسعار الخبز، أو “أغروم”، كلّ حسب توجهاته(…)، فنحّيي المغرب على بُعد نظره، أما إذا أخذنا الجانب الاقتصادي بعين الاعتبار، فنتمنى حظاً سعيداً لصندوق المقاصة(…).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى