المنبر الحر | محورية التربية كأداة للتنمية من منظور إسلامي

بقلم: ذ. الحسن العبد
يتفق الجميع على أن التاريخ، قديمه وحديثه، يشهد على محورية التربية، بل يذهب المختصون التربويون بعيدا في القول أن قيمة الإنسان هي حصاد معارفه، وحضارة المجتمع – بدورها – هي المحصلة الجامعة لمعارف أبنائه التي وهبتها إياهم التربية، وهكذا يؤكد الدارس التربوي أن المستقبل يضعنا أمام أنفسنا، وأمام واقعنا المعاش، والحديث عن الغد هو حديث عن أطفال يولدون اليوم، والحديث عن الطفولة هو حديث عن التنمية التي تعني تنمية الظروف المادية للحياة، وتنمية الجوانب الروحية والثقافية سواء بسواء، لذلك، لا يمكن الحديث عن تنمية دون الحديث عن التربية.
إن التربية هي الشغل الشاغل للجميع، وهي أساس التنمية ودعامتها، بل ركيزتها، وتتجلى أهميتها القصوى والبالغة في نظر البعض، على النحو التالي، ما إن تُبتلى الشعوب بالمصائب والمحن، حتى تستمسك بالتربية ملاذا أو مهربا، فأزمة مجتمعنا العربي المتفاقمة هي في جوهرها أزمة تربوية كما خلص إلى ذلك عبد الله عبد الدايم، ومن هنا يرى بنفسه، أنه ليس لنا سوى التربية مخرجا لانتشال أمتنا العربية من أزمتها الراهنة، فالتربية هي مدخلنا إلى تنمية شاملة وصامدة، ودرعنا الواقي ضد الاكتساح الثقافي في عصر العولمة، والأسئلة المطروحة بحدة: ما هي العلاقة بين التربية والتنمية؟ وما هي أهم الأسلحة لمواجهة التفوق الأجنبي العلمي والتكنولوجي؟
إن هدف معظم الدول الغربية، هو تغيير مناهجنا التعليمية لأجل إعادة صياغة ما سجله التاريخ عن مجد أمتنا الغابر، حتى تأتي مناهج تربيتنا موافقة ومتسقة مع أهواء الغرب ورؤيا هوليود في محاباة اليهود..
وهكذا – في نظر المختصين التربويين – فمفهوما التربية والتنمية لا بد أن يتقاطعا في نقطة واحدة، وأن تتحد مسيرتهما على خط تصاعدي في حركة التطور، وإذا لم يحصل التفاعل والانسجام بين التنمية والتكوين الدراسي للطفل، فلن يمكن الحديث عن المستقبل، لأن الطفل لا زال نسبيا في نظرة مجتمعنا مجرد مخلوق بريء يدخل السرور ويثري الحياة الزوجية بنكهة خاصة، الطفل في مجتمعنا الحالي لم يرق في وجداننا إلى ذلك المستوى المطلوب ليصبح قضية وهاجسا.
ومن خلال ما سبقت الإشارة إليه، يبقى من الواجب علينا دق ناقوس الخطر، والتنبيه إلى أمور تهدد الأمة بالهلاك، لأن تربيتنا في سباق مع الكارثة، ويبقى من الضروري، كما يؤكد البعض، إحداث نهضة عربية شاملة بإشعال فتيل الثورة في نظمنا التربوية، لنا موروث حضاري ولم نأت من عدم.. فأين هم ثوارنا؟
ولإعداد العدة، لا بد من إعداد الفرد وتأهيله للحياة بكل المكونات والمتطلبات الجسمية والعقلية والانفعالية والروحية، وذلك للقدرة على مواجهة المواقف وفي تحقيق المتطلبات الشخصية والعامة بكل أشكالها ضرورية كانت، أو كمالية أو من الميسرات، كما تقول الدكتورة هناء الليث، وهي تضيف بذلك معللة بأن التنمية مشتقة من النمو أو التدرج في الزيادة، وهو مصطلح حديث برز الاهتمام به في ثنايا القرن الماضي، وتبرز أهمية هذا المصطلح في ارتباطه الوثيق بالبناء الحضاري المنشود للمجتمعات، وهو على ترابط وتفاعل مع كثير من المجالات الحيوية كالاقتصاد والمعرفة والتخطيط والتربية.
ثم إن العلاقة بين التنمية والتربية، في نظر هؤلاء الدارسين، علاقة تاريخية، حيث بدأ الاهتمام يتزايد بمشكلة التنمية بعد الحرب العالمية الثانية، وذلك بسبب التغيرات التي واجهتها أوروبا بعد أن دمرتها الحرب، وهي نفس المشكلة التي واجهت الدول التي استقلت ونفضت عنها غبار الاستعمار فأصبحت الكثير من هذه البلاد تبحث عن الأساليب المناسبة لرفع مستوى المعيشة والقضاء على مظاهر التخلف.
ويتفق جل التربويين على أنه بدون تربية لا يمكن الحديث عن الغد، والأطفال في كل أمة يشكلون نصف الحاضر وكل المستقبل، وكل الجهود يجب أن تنصب على عملية التنشئة الاجتماعية، والتنشئة تعني العمل للمستقبل، والوقفة المستقبلية تلائم التربية كل الملاءمة، ولا مستقبل لنا بدون العلم بكتاب الله والعمل به كسلاح تربوي تنموي علمي وأدبي، للوصول إلى أقصى درجات التقدم والرقي والازدهار.



