المنبر الحر

المنبر الحر | “اتحاد مغاربي بدون المغرب”.. هرطقة جزائرية

بقلم: الحموتي محمد

    كان الغرض من الاتحاد المغاربي هو تحقيق التكامل الاقتصادي والسياسي وتوحيد الشعوب رغم الحدود التي خلفها الاستعمار، ولقد كان “الاتحاد” حلما مؤجلا لساكنة المنطقة بالرغم من الجهود المبذولة من قبل بعض القوى السياسية، كمؤتمر طنجة للأحزاب المغاربية عام 1958، والتي وضعت اللبنة الأولى لإطلاق المشروع الوحدوي المغاربي، وتم تكريسه على أرض الواقع في اجتماع مراكش في 17/02/1989 بمباركة القادة الخمسة للمنطقة المغاربية، إلا أن الصورة السردية لهذا الاتحاد سرعان ما تبخرت أمام تعنت القادة العسكريين للجارة الجزائر، متخذين من معاداة المغرب عقيدة وطنية من خلال مبدأ هواري بومدين وضع الحجارة في حذاء المغرب، ومنذ ذلك التاريخ والجزائر لا تصدر منها إلا الهرطقات في حق الجار الذي كان له الفضل الكبير في استقلالها.

غير أن هرطقة القرن وبكل المقاييس، هو ما تحاول الجزائر تسويقه سياسيا وإعلاميا والمتمثل في الطرح الذي يقوم على أساس مثلث “الجزائر وتونس وليبيا” كنواة للاتحاد المغاربي في محاولة لعزل المغرب عن محيطه، وهذا الطرح أثار جدلا كبيرا، لأن نظام الجزائر يحاول تغطية الشمس بالغربال، ولأن الشعب الجزائري في ظل حكم العسكر يعاني من حكم العصابة على حد تعبير الحراك الجزائري.. فالنفط لم يعد كافيا لشراء السلم الاجتماعي، والاقتصاد ينهار في غياب الحلول الواقعية، والتقرير الأخير (أواخر عام 2021) للبنك الدولي حول الاقتصاد الجزائري، حذر النظام العسكري من حدوث كارثة اقتصادية في حال عدم تنويع الصادرات، ووضع حلول عاجلة للنهوض بالبلاد. 

بالنسبة للنظام الأوليغارشي، فهو لا يرغب في التخلي عن المصالح الضيقة للنخبة العسكرية الحاكمة في سبيل إنقاذ البلاد من الضياع والتفكك، والورقة الوحيدة المتبقية هي ورقة المغرب: “الجار العدو” حسب البروباغندا العسكرية، لإنقاذ الجنرالات من انتفاضة شعبية تطيح بفسادهم واستبدادهم.  

والمغرب تعلم من التاريخ، لأنه لن ينجر وراء استفزازات النظام الجزائري لجره إلى مستنقع الحرب، وأحداث حرب “الرمال” 1963 اعتبر بعض المحللين أنها كانت السبب وراء إنقاذ حكومة بنبلة وحليفه بوخروبة من الزوال، بعدما رفض قادة الثورة، كأيت أحمد وغيره، النهج اللاديمقراطي والاستحواذ على الحكم بالقوة، وكانت البلاد تنجر إلى حرب داخلية، وحرب “الرمال” يمكن اعتبارها من أسباب تعطيل برنامج الإصلاح الديمقراطي، ومكنت بوخروبة (هواري بومدين) بعد ذلك من السيطرة على الحكم، ورسخت فكرة عقدة “المروك”، ومنذ ذلك العهد والنظام العسكري يحقد على المغرب ويسعى إلى تطويقه وعزله إقليميا.    فالنظام السياسي الأوتوقراطي للجزائر، لا يتحمل سماع نماذج اقتصادية وسياسية ناجحة بجواره، وبالخصوص القطر المغربي العريق ثقافيا وتاريخيا، وهو يحقق نهضة صناعية على المستوى الإفريقي بشهادة مؤسسات البحث الدولية والأرقام لا تكذب ما تحقق في المغرب، إلا أن كابرانات الجزائر يستعينون بدبلوماسية المال للتأثير على بعض الأقطار لمحاولة عرقلة التنمية في المغرب، وخاصة موريتانيا وتونس، والضغط على حكومة نواكشوط لإغلاق معبر “الكركرات” الذي يعتبر حيويا لعبور الصادرات المغربية إلى دول غرب إفريقيا، وتعويضه بالمعبر الجديد “تندوف الزويرات”، والوصول إلى تحقيق “اتحاد مغاربي بدون المغرب”، غير أن الذي غاب عن النظام الجزائري، أن الدبلوماسية المغربية جلدها سميك لا تزعجها الترهات والهرطقات التي تصدر عن العسكر الجزائري، وهذا ما أكده أكثر من مرة وزير الخارجية بوريطة، وفي أكثر من مناسبة، أن المغرب يؤمن بالأفعال لا بالأقوال، والنتائج تؤكد ذلك، والنجاحات الدبلوماسية تحتسب للمغرب، والجزائر أصبحت أكثر عزلة وبعيدة عن المتغيرات الدولية وغارقة في المشاكل الاجتماعية والاقتصادية، والفساد ينخر جسد الإدارة الجزائرية.    

صحيح أن الشعب المغربي لا يعيش حياة مثالية، لكننا إذا قارنا أوضاع المغرب بأقطار شمال إفريقيا، قد أجزم أننا الأفضل، إلا أن هذا لا يعجب إخواننا في قصر المرادية، ودعوني أشخص وضع النظام في الجزائر لأؤكد لكم أن الجسم السياسي للجارة الشرقية يعاني السقم وعلاجه يحتاج إلى نخبة سياسية طموحة منبثقة من الشعب، بعيدة عن سيطرة العسكر وتؤمن بقدرات الشعب وتتخلص من إرث فكر هواري بومدين، واستحضار ما هو مشترك بين الأشقاء المغاربيين لتحقيق التكامل الاقتصادي بعيدا عن الحسابات السياسوية الضيقة التي تكاد تفجر المنطقة، والملك محمد السادس مد يد المصالحة لأجل تجاوز الماضي من أجل الأمة المغاربية وتحقيق التنمية الشاملة.

أما “الاتحاد المغاربي بدون المغرب”، فإني أعتبرها هرطقة القرن.. فلا أحد من المحللين يجد لها واقعية، لأن المغرب يعتبر أصل الاتحاد ولا يمكن تغيير الجغرافية مهما كانت الخلافات السياسية، وبالعودة إلى اتحاد دول الخليج، فرغم الخلافات السياسية الكبيرة بين الأطراف، وبالخصوص بين قطر وأعضاء الخليج، إلا أننا لم نسمع عن رغبة أو طموح من استثناء قطر من الاتحاد الخليجي. 

أما عندنا، فكابرانات الجزائر يجهلون التاريخ والجغرافية، وعطلوا الاتحاد المغاربي أكثر من ربع قرن، رغم أن القصد من الاتحاد هو إلغاء الحدود بين الشعوب بهدف تحقيق وحدة حقيقية، إلا أن الغباء السياسي ظاهر على النخبة السياسية، إذ كيف تدعم الانفصال في ظل اتحاد يسعى للوحدة وتحقيق التكامل الاقتصادي والسياسي، ولهذا نسمي هذا الطرح بالهرطقة.

والمغرب كبلد عريق وأقدم الحضارات، فهم الوضع السياسي للمنطقة رغم رغبة بعض الأعداء تحويله إلى جزيرة مطوقة، إلا أن البعد الاستراتيجي الذي كرسته الدبلوماسية المغربية، استطاع أن يخرج أكثر قوة، وأن يفضح مزاعم سدنة النظام الجزائري ويكرس نفسه كرقم صعب ينبغي احترامه، وبدعم دولي قوي.                                           

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى