المنبر الحر

المنبر الحر | تشويه البادية بكتل إسمنتية في غياب الهندسة

بقلم: عثمان محمود 

    باتت عين عابر الطرق الرابطة بين مدننا، لا تخطئ منازل ذات أشكال مختلفة تتوسط أسوارا حجرية طويلة، تسيجها بدورها أشجار باسقة، وفي محيطها تظهر بيوت صغيرة الأحجام متناثرة هنا وهناك، وقد تعود هاتيك المنازل للميسورين من أبناء المنطقة، أو لبعض أثرياء المدن الذين يشترون هكتارات لإنشاء ضيعات تتربع داخلها مساكن فخمة..

وأيا كانت الدواعي وراء ذلك، فإن هذا النوع من البناء لا ينبغي أن يبقى في منأى عن الهندسة المعمارية، والفلاحية، فضلا عن الرقابة البيئية، فلا يعقل أن تكون الأشكال الخارجية لغالبية المساكن المتحدث عنها، على نفس الطراز الذي تبنى عليه نظيرتها في المدن، حيث الطابق الأرضي، والطابق الأول، وربما الثاني، في شكل عمودي، تخرقه نوافذ صغيرة إلى اليمين والشمال من الباب، وسطح تعلو ظهره حجرة أو حجرتان، أما عن الصباغة وما إليها من ضروب التزيين الخارجي، فلا تكاد تفترق في شيء عما هي عليه داخل المدن، وهو ما يعني غياب الاجتهاد والإبداع الهندسي في هذا المجال، فالمبنى الذي تصرف عليه أموال طائلة، لا يعقل أبدا أن يكون نسخة طبق الأصل لتصميم مبنى تم تشييده داخل المدينة، ومن الخطأ أن تبنى المساكن الريفية بشكل عمودي ما دامت البقع التي تقام فوقها رحبة بما فيه الكفاية، فالأولى أن تأخذ العرض في الاعتبار، فتمتد حينها على شاكلة قصور صغيرة، واجهاتها ذات طابع يمت بصلة قرابة إلى تراث المنطقة المعماري، وألوان صباغتها يتماشى مع البيئة التي أقيمت فيها، فأجواء المناطق الساحلية ليست هي المناطق الجبلية، وطبيعة الأراضي الجرداء ليست هي طبيعة الأراضي الرطبة، والألوان التي تناسب هاته ليست حتما توائم تلك، وإذا جئنا إلى الأسوار التي تحيط بتلك المساكن، فإننا نراها في الغالب تفتقر إلى الجمالية، لا سيما ما يوجد منها إلى القرب من الطرق الرئيسية، لا من حيث الأشكال، أو ألوان مواد البناء، ولا تصاميم الأبواب الخارجية، فهي توضع كيفما اتفق، لذا تبدو في غرابة واضحة عن المنطقة التي هي فيها.

بالموازاة مع ذلك، يأتي أمر الأشجار التي تغرس في جنبات تلك الأسوار على مسافات قد تطول أو تقصر، إذ تغرس بدون إرشادات فلاحية متخصصة، تبين مناسبتها للأرض التي تلقي جذورها فيها، والشكل الذي ستكون عليه في الآتي من الأعوام، وما إلى ذلك من الأمور التي تجعل الهندسة الفلاحية حاضرة في هذا الصدد، أما من الناحية البيئية، فإنه لا داعي لذكر أهمية حضور الحس القوي بالمجال الأخضر في مثل هاته البنايات، سواء تعلق الأمر بكيفية التخلص من مياه الصرف الصحي بطرق سليمة مائة بالمائة، أو طرق بناية الحجر وأشكالها ونوافذها، والاصطبلات التي تبنى في معيتها، وأماكن تواجدها، والمواد المستعملة في إنشائها، وكذا الشأن بالنسبة لصهاريج جمع المياه لسقي الأغراس، وإرواء ظمأ المواشي.

كانت الهندسة المعمارية على مدار تاريخ الحضارات المتعاقبة، ولا زالت علما وفنا في الآن نفسه، وقد خطت اليوم في عصرنا الرقمي خطوات عملاقة فطورت الأشكال المعمارية وأضافت إلى اختصاصها ما له علاقة بالبيئة، ذلك المطلب الأساسي الذي أضحت التصاميم الناجحة تحرص على تواجده داخلها، فلتخضع البنايات الصغيرة والكبيرة في باديتنا الغالية إلى هندسة معمارية دقيقة تراعي خصوصيات المناطق التي تقام فيها تراثيا وبيئيا، حتى يتم وضع حد للعشوائية التي تجعل منها كتلا إسمنتية مشوهة، وسط مناطق ريفية جميلة لها مميزاتها الخاصة على أكثر من صعيد.

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى