بين السطور

بين السطور | جنازة “الإعلام”

بقلم: الطيب العلوي

  جرى حفل هذا الأسبوع، حضره كل من وزير الثقافة والشباب والتواصل، وشخصيات من عالم الصحافة والفن والأدب، تم الإعلان خلاله عن الفائزين والمتوجين بمختلف الجوائز في أصناف الصحافة المكتوبة والإلكترونية وصحافة الوكالة، وأصناف التلفزيون والإذاعة، وجريدة “الأسبوع” تقدم بالمناسبة تهانيها الحارّة لكل زملائها المتوجين في مختلف الأصناف.

إلاّ أن هذا “الحفل”، نسي حاضروه أنه انعقد في وقت يعيش فيه القطاع فترة الحداد(…)، حداد تم الإعلان عنه رسميا في أقل من أسبوع على الحفل.. لَمّا قدم المجلس الوطني للصحافة تقريره المُعلِن عن احتضار القطاع، والمؤكدة صفحاته على مستقبل قاتم، بعد أزمة بدأت منذ عام 2013، وفاقمتها أثار جائحة “كورونا”، السلبية طبعاً، تماماً كحال العروس التي راج حولها مَثَل “لالة زينة وزادها نور الحمّام”.

وإذا كانت تقارير المجلس الوطني للصحافة قد تطرقت للأمور من جانب “التعميم” رغم دقة أرقامها، كإفادة “العموم” بأن مبيعات الجرائد الورقية تراجعت بحوالي الثلثين قي أقل من سنة، ليدخل مجموعها تحت عتبة 200 ألف نسخة يومياً، رقم يصنف المغرب “بالزربة”، من بين أضعف البلدان في مبيعات الجرائد في المنطقة (كي لا نقول عالميا)، خصوصا إذا عرفنا أن 200 ألف نسخة هو عدد مبيعات جريدة جهوية واحدة في بلد كفرنسا مثلا، فعلى أرض الواقع، الأمور تسير في نفس الاتجاه، أي نحو موت محقق للصحافة المكتوبة: في هذا العام الذي نودعه، توقفت يومية “أخبار اليوم” عن الصدور، بسبب ما أسمته شركتها الناشرة عبر بلاغ لها بـ”المحنة المالية”، الناتجة – على حد تعبير أصحابها – عن منع وصول الإعلانات إلى صفحاتها، وامتناع مؤسسات عمومية عن أداء ما بذمتها من مستحقات مالية لإدارة الجريدة.

نهاية تجربة إعلامية كبرى بالبلاد إذن، دامت 14 سنة، تواصل بعدها مسلسل الإغلاق هذا الشهر، بتوقف مجلة “Economie & Entreprises”، واحدة من الإصدارات الشهرية الناطقة بالفرنسية، والأكثر تأثيرا(…) بفضل ترقباتها الدقيقة في مجال المال والأعمال، والمعروفة أيضا لدى أصحاب الميدان بمصادرها الموثوقة، لكنها عانت هي الأخرى من باقي الصعوبات التي تعرفها جميع المنابر، زيادة على محنة قضائية دامت لأزيد من 12 سنة، لما تابعها أحد المقربين (والمقربون أولى)، في قضية كلفت المجلة غرامة قدرها 600 مليون سنتيم، بسبب مقال طوله ستة أسطر، أي ما يعني حسابيا: عقوبة قدرها مائة مليون للسطر الواحد؟

إغلاقات وإقفالات تعاقبت الواحدة تلو الأخرى، مرت مرور الكرام ولم يناقشها أحد، ما عدا نشر بلاغ الإغلاق في بعض المواقع عبر تقنية “النسخ واللصق”، وبعد أيام وكأنها لم تكن(…)، على وزن “ما شفتيني ما شفتك”.. إشارات كلها تدل على ضعف معدلات القراءة والاطلاع بالمغرب، لينتصر في الأخير الإعلام المناقش لـ”الكراطات” و”التقاشر”(…) كما يدور اليوم من منشورات، على حساب الصحافة التحليلية الدقيقة، ذات مستوى معين، كما كان الحال عليه منذ دخولها العالم العربي سنة 1798 بالموازاة مع الحملة الفرنسية، وما كان لها من دور في الوعي الاجتماعي، والتي لولاها لعشنا في مجتمعات معزولة، ليس فقط عن بقية العالم، وإنما من أجل تكوين كلّي للعالم المشهود.

لكن على ما يبدو، إذا كان الحديث عن “الكراطة” و”روائح التقاشر” هو ما يهمنا اليوم.. وما يثير انتباهنا وإعجابنا، فـ”اللّهم يسِّر”.

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى