المنبر الحر | من أجل امتحانات بدون غش

بقلم: عثمان محمود
لم تعد الامتحانات الإشهادية الشغل الشاغل للتلاميذ فحسب كما كان الأمر عليه قبل سنوات خلت، فها هم أولياؤهم قد باتوا يحملون معهم الهم على مدار أيام العام الدراسي، ويأتي في مقدمة الهموم، تمويلهم لما يعرف اليوم بالساعات الخاصة بالدعم، التي أضحت تقدم في أماكن معلومة، ولا ننسى تحملهم عناء إيصالهم إلى هاتيك الأماكن، وإحضارهم منها، وإذا تمت إضافة الساعات الداعمة داخل البيوت، فتلك قصة عناء أخرى يمكن أن يحكي عن تفاصيلها من عايشوها سنوات دراسية متتالية، وها هي الهيئة المشرفة على إعداد الامتحانات النهائية، والساهرة على إجرائها، قد أضحت من جهتها تقاسي الأمرين أياما قبل وأثناء وبعد إجراء الامتحانات المذكورة، وتبقى العملية المؤرقة حقا هي تلك التي تخص المراقبة خلال إجرائها في أيام محددة، حيث يتم استنفار الحراس والمشرفين، في ظل أجواء باتت تكدرها عمليات الغش وفق أساليب مستحدثة تفوقت على كل وسائل التتبع والضبط، حتى غدا الإعداد لعمليات الغش داخلا ضمن الاستعداد للامتحانات، ولعل أرباب الورّاقات التي تعنى بالنسخ أدرى بالجهد الذي يصرفه العديد من التلاميذ والتلميذات في تهيئة سلاسل من الوريقات المكتوبة بخطوط لا تقرأ إلا بجهد جهيد، وذلك قصد التحكم فيها ونقلها من يد إلى يد أو وضعها في أماكن معينة أثناء عملية الغش، بل الأدهى من هذا، فإن هيئة المراقبة والحراسة لم تعد تسلم من العنف الذي يمارسه في حقها صنف من التلاميذ اعتبروا الغش ضرورة لازمة، وأن أي تدخل لمنعهم يسهم في حرمانهم من تحقيق الغاية، وما الحوادث المتفرقة التي تشهدها مراكز الامتحانات في مختلف الأكاديميات بدون استثناء، إلا دليل واضح على الحدة التي بلغها الغش داخل قاعات الاختبارات، والكثير من تلك الحوادث يصل إلى دوائر الأمن، والمحاكم.. وضع مزر كهذا.. ألا يستدعي حقا التفكير في طرق مثلى لجعل حد لغش يتفاقم بشكل مهول، وقد يصل إلى درجة تفقد معه الامتحانات الإشهادية مصداقيتها خصوصا عندما يجد من تفنن في التحايل والخداع، نفسه ضمن لوائح الناجحين بمعدل مريح، ويقدم بذلك القدوة السيئة لمن يسلك الطريق نفسه؟ فهل من سبيل لإعادة النظر في طرق التقويم النهائي للتلميذ، وذلك بالتخلي عن الطرق القديمة لإجراء الامتحانات، فقد استنزفت الأعوام جدواها وغايتها، حتى أن الأسئلة تكاد تكون مكررة مع تغيير المعطيات المشكلة للهيكل العام لهذا السؤال أو ذاك، إلى درجة أصبح التلميذ يعمد إلى الحفظ الآلي للتمارين التي تخص – يا للأسف البالغ – المواد العلمية وفي طليعتها مادة الرياضيات، فأي نزعة تحليلية، وأي حس علمي، أي ذكاء منتج ننمي في التلميذ إذا استمر الأمر على هذه الشاكلة؟ هنا يجدر طرح السؤال التالي: أي ضير في أن يسمح للتلميذ بإحضار الوثائق والمعلومات في شكل إعداد فردي مسبق إلى قاعة الامتحان، لا من أجل أن يسود بها بياض الورقة، ولكن من خلال استغلالها الاستغلال الأمثل في تحليل معطيات امتحان يهدف إلى قياس درجات الإبداع والتحليل، والتركيب، والاستثمار الجيد لما درسه وهو ينجز عملا يكون فيه أثر للجهد الفردي الجلي والملموس؟ وهذا لن يتحقق ما لم يتم إعداد مناهج دراسية بديلة غايتها تدريب التلميذ على البحث، وحسن توظيف الوثيقة المتوفرة بين يديه بما فيها الكتاب المدرسي، وباقي الوسائل التعلمية، طيلة العام الدراسي، وخلال إجراء الفروض والواجبات المنزلية، حتى إذا حان الامتحان، وظف ما تدرب عليه على مدار السنة الدراسية، بحيث يؤذن له حينها بالاستفادة مما هيأه من وثائق ومعلومات في إنجاز ما طلب منه إنجازه على أساس أن الهيئة المشرفة على التصحيح، ستركز في تقويمها على جوانب بعينها، على رأسها الإبداع والابتكار لا النقل الحرفي والعشوائي المفتقر للانسجام والتنسيق.. فمتى نسمح للتلميذ بالاستعانة بما في يده لإظهار مدى قدرته على توظيف ما يعده بنفسه فيما يطلب منه إنجازه في ساعات الامتحان؟ أعتقد جازما يومها، أن الهيئة المشرفة على الحراسة والمراقبة سوف لن تتكلف هذا العناء الذي أضحى شاقا! ويومها أيضا، سيتخلى أساتذة الدعم ضمن الساعات الخصوصية عن التلقين الببغائي للتمارين وحلولها، لأنهم سيكونون ملزمين على تدريب من يدعمونهم على المنهجيات، والطرق المثلى التي أساسها الابتكار والإبداع والتوظيف الأنجع للمعلومات بعد حسن انتقائها، ومن تم تنظيمها وعرضها.



