المنبر الحر | الحروب في الدول العربية واستراتيجية تنويم الشعوب

بقلم: ذ. حسوني قدور بن موسى
محامي بهيأة وجدة
ما يؤلم ويحزن هو أن جامعة الدول العربية التي تضم 22 دولة والتي تعتبر أول منظمة دولية على مستوى العالم، تأسست في 22 مارس 1945 منذ ما يزيد عن 7 عقود من الزمن، أي قبل إنشاء منظمة الأمم المتحدة في 24 أكتوبر 1945، وكذلك قبل إنشاء الاتحاد الأوروبي سنة 1951، لا زالت الدول العربية متفرقة متحاربة متقاتلة فيما بينها والدماء تسيل في الشوارع والحدود بينها مغلقة رغم أن الدين الإسلامي الذي تؤمن به هذه الدول يقول بأن “الأمة الإسلامية أمة واحدة”، لكن هذا المبدأ هو مجرد خرافة لم يتحقق منذ ما يفوق 14 قرنا مضى على تأسيس ما يسمى بالأمة الإسلامية.. فمنذ فجر الإسلام، ظلت طبول الحروب الدموية تدق في الدول العربية، وتدخل معظم الأزمات الحالية في المنطقة العربية ضمن ما يسمى باستراتيجية تنويم الشعوب عبر حروب وأزمات عبثية وإلهاء المواطنين بوجود عدو خارجي يتربص بالدولة حتى يتسنى للحكام العرب المستبدين جمع الثروات وتهريبها إلى الخارج، وعندما يشتد القتال يفرون إلى الدول الأوروبية تاركين المواطنين المساكين والضعفاء يواجهون مأساة الحرب لوحدهم.
لذلك، يمكن القول أن تكتيكات تخويف الشعوب بوقوع حروب مسلحة، لن تنجح في الوقت الحاضر، بسبب التغييرات الجوهرية التي طرأت على شعوب الوطن العربي، التي لم تعد شعوبا بدائية تعيش في “دارغفلون” وبدوية منغلقة على نفسها لتصديق الرواية الرسمية للحكومات في حروبها أو يتم تخديرها من طرف علماء السلاطين الذين يقومون بتأويل وتحريف النصوص الدينية لتحويل حروب تنويم الشعوب إلى جهاد في سبيل الله، فشعوب العالم العربي الآن، لا سيما الشباب منهم، منفتحون على العالم وقد تثقفوا بثقافة عالية، فعشرات الآلاف منهم درسوا في أمريكا وأوروبا، وهؤلاء يصعب على الحاكم العربي المستبد استحمار عقولهم سياسيا ودينيا، أضف إلى ذلك، أن الظروف المعيشية في الدول العربية تدهورت بشكل مخيف جدا، وانتشرت ظاهرة البطالة بين خريجي الجامعات في الوقت الذي يتم فيه توظيف أبناء المفسدين الذين لا يتوفرون على شواهد جامعية عن طريق القرابة والمال الحرام، والغريب في الأم،ر أن الحراك الشعبي وما رافقه من ثورات في الوطن العربي أوائل عام 2011، لم تغير سياسة الحكومات العربية المستبدة، بل استمرت في إشعال فتيل الحروب المسلحة لتنويم الشعوب وإلهائها عن مطالبها الأساسية التي تتمثل في توزيع ثروات البلاد توزيعا عادلا وإقامة نظام سياسي ديمقراطي وعدالة اجتماعية.. لكن الحكومات العربية لم تغير من سلوكها الداعي للصراعات المسلحة لتنويم شعوبها، في حين تشهد الدول العربية ظواهر اجتماعية وشبابية جديدة وخطيرة مثل التزايد الملحوظ في عدد معارضي الأنظمة العربية في الخارج، لا سيما من جيل الشباب وارتفاع طالبي اللجوء السياسي إلى الدول الغربية، وخاصة من طرف الصحفيين هروبا من القمع والاضطهاد والحرمان من حرية الرأي والتعبير، ولقد تزايد العمل السياسي المعارض عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية للتعبير عن الآراء السياسية، كل هذا أدى إلى عدم الاستقرار السياسي في الدول العربية، أما جامعة الدول العربية، التي قيل عنها أنها “رأس إنجليزي على جسد عربي”، فهي قائمة على الخلافات والثرثرة والتهريج والاتهامات المتبادلة بين الدول، وكل اجتماعاتها تنتهي بتوصيات لا تطبق على أرض الواقع وفشلت في حل جميع القضايا العربية من المحيط إلى الخليج، ولم تستطع إيجاد الحلول للحروب الدامية المشتعلة في الوطن العربي، خاصة في سوريا والعراق وليبيا واليمن، ولم تستطع كذلك حل النزاع بين المغرب والجزائر.
إن أسباب سعي بعض الحكام العرب إلى إشعال الحروب، كثيرة من أهمها، صرف انتباه مواطنيها عن المشاكل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في الداخل، بخلق عدو خارجي وحروب وهمية خارج الحدود لاحتكار مستحقات الشعوب وسرقة خيراتها وفرض حالات الطوارئ وظروف استثنائية تهدف إلى الحد من الحريات وتمرير القوانين التي لا تخدم مصلحة الشعب، وتعديلات دستورية لا يوافق عليها الشعب في الحالات العادية، وهذه الاستراتيجية الخبيثة قديمة استعملتها أنظمة عربية مستبدة في الشرق الأوسط في الصراع العربي الإسرائيلي الطويل، الذي لا زال موضوع استغلال من طرف الحكام العرب لتنويم الشعوب عبر خلق حالة حرب دائمة ضد إسرائيل وتناسي الإصلاحات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في الداخل، بل وانتهزت دول أخرى صراعات مسلحة خارج حدودها لتعبئة شبابها وصرف انتباههم عن المشاكل الداخلية.
فلم يعد من الممكن خداع الشعوب العربية بنفس الأسلوب، لأن القيام بإصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية وسياسية حقيقية، هو أحسن وسيلة لقيادة الشعوب في الوقت الراهن، وكما يقال: “قد تتمكن من خداع بعض الناس كل الوقت، وقد تتمكن من خداع كل الناس بعض الوقت، لكن لن تتمكن من خداع كل الناس كل الوقت”، لاسيما في وقتنا الحالي، الذي يشهد عودة الاحتجاجات والتظاهرات في بعض الدول العربية، ومنها المغرب، ضد القوانين المجحفة.




Derrière la longévité des dictatures staliniennes des peuples marionnettes