المنبر الحر | إسرائيل ونَفَس المغرب الطويل

بقلم: مصطفى منيغ
السياسة لا ترحم غير المازجين حق الحق بمحرك الحركة في مرحلة تنفيذ التصميم وعدم التوقّف دون تحقيق النتائج المرجوة مهما بلغت التضحيات، أما الجاعلين منها ميدانا للصراخ المنطوق مباشرة في الهواء الطّلق داخل تجمعات ألف أصحابها سماع نفس الخزعبلات، أو المرئي عبر شاشات مختلف التوجهات، أو المكتوب ليُنشر بنفس الصيغ لجوهر واحد لا يتغيَّر في مواقع تعد بالعشرات، مآلهم الانبطاح للأمر الواقع أو اختيار ما يؤدي بهم للاندثار السريع، إسرائيل تمكنت من الحصول على الضوء الأخضر الممنوح لها من الدول الأوروبية بغير استثناء، وهي تملك لتتملّك ما شاءت بنظام وانتظام، وقبل ذلك مِن الولايات المتحدة الأمريكية، التي تعتبر إدارتها لحد ما إسرائيلية بالفعل، وما تلك الدولة العبرية إلا ولاية من ولاياتها، مَن يريد بها سوء تخلق له ألف وسيلة ووسيلة لتمسحه من فوق الأرض إن استطاعت، ومن تحبها دولة مهما كانت توجّهها بالتَّرغيب المُعلن أو الترهيب المستتر لمعانقة إسرائيل كشرط من شروط فتح سبل النماء حيالها، الداعي للرخاء في مأمن من عوائق وعواقب تحديات مادية مُبتكرة لسحق أقوياء الإرادة، المتشبثين بعزة النفس، والغير المضحين بالكرامة، ومن ليس لهم إلا الافتخار بقيم الشرف.
المملكة المغربية استثناء مستحق خصه في علاقاته باليهود التاريخ الإنساني المسطر بما يؤكد وجود خيط متين يربط المملكة بهؤلاء من قديم الزمن، حيث مثل المغرب خط الرجعة الحميدة المحمودة، لعشرات الآلاف من المضطهدين اليهود المتابعين من طرف محكمة الديوان المُقَدَّس لتنفيذ حكم إعدامهم وتطهير تراب الأندلس من وجودهم أثناء استرجاعها من حكم العرب، وتحديدا أيام أمراء الطوائف السوداء، بأمر صادر عن الملك فرناندو الثاني والملكة إيزابيلا الأولى، التابعان الملَّة المسيحية الكاثوليكية سنة 1478م، ومن خطورة تلك المحكمة الملقبة بمحاكم التفتيش، انتشار نفوذها إلى المستعمرات التابعة وقتها كانت لإسبانيا كالمملكة الهولندية الإسبانية، ومملكة نابولي الإيطالية، وأجزاء من شمال ووسط وجنوب القارة الأمريكية، مما اشتد الخناق على اليهود وحوصروا أينما توجهوا، فلم يسعفهم غير المغرب الذي تقاطروا عليه بأعداد مهولة، ليجدوا فيه الحماية، ومقومات الاستقرار الآمن، والانسجام المجتمعي لتأسيس مقام دائم مفعم بالتعايش والتساكن مع أهل الأرض التي اتخذوها من تلك الأحداث وطنا لهم عليهم ما عليه ولهم ما له كقاعدة ثابتة غير قابلة للتبديل أو التغيير مهما طوت السنين بأجيال لتتصاعد أخرى غير ناسية مجريات التاريخ الإنساني المغربي العريق، في هذه البلاد المتسامحة مع الوافدين إليها للعيش في راحة البال من مختلف الأمصار، بصرف النظر عن ماضيهم ومذهب ما يعتنقونه من دين، ثم ما جرى لهم مع أدولف هتلر، الذي استخرج من أجسادهم مادة الصابون، بالإضافة إلى قتلهم خنقا بالغازات المتسربة إلى حجرات مغلقة عليهم بإحكام شديد وهم داخلها كالسردين المعلب، وإحراقهم بواسطة أفران، خلال الفترة الممتدة من 1941 لما بعدها بأربع سنوات خلال الحرب العالمية الثانية، حتى بلغ تعداد الهالكين من اليهود ما يفوق الستة ملايين في أسوأ وأحقر إبادة للعنصر البشري عبر التاريخ، فكان المغرب فاتحا أبوابه لاستقبال الآلاف الفارين من ذاك الجحيم المفروض عليهم من ألمانيا النازية الواقعة تحت سيطرة عميد المجرمين فوق الأرض، بل مسؤولا ليس عن حمايتهم وحسب، بل يحتضنهم بكرم رعايته، من هنا انبثقت محبة اليهود للمغرب دولة وشعبا ونظاما، وكبر هذا الحب مع تكاثرهم داخل معظم المدن والقرى المغربية، وحالما أراد من أسس إسرائيل استقطاب يهود العالم لداخلها لم تمانع السلطات المغربية على مغادرتهم التراب المغربي دون قيد أو شرط، وهناك في تلك الدولة العبرية، ترعرعت الروابط الروحية بينهم وبين المغرب الذي فارقوه بنية العودة إليه في يوم من الأيام، لذا فالتطبيع لا يعني الخروج عن قاعدة ثابتة مذكورة أسبابها آنفا، وإنما جاءت بمثل الشكل، لظروف تلعب لصالح المغرب المنحدر منه ربع سكان إسرائيل من يهود منتسبين إليه، فبالتطبيع وبدونه، كانت إسرائيل بمن شارك في حكومتها من يهود مغاربة، أن يكون المغرب داخل دائرة اهتمامها مهما كان المجال، اليوم وهي تقدّم خدماتها للمغرب كرد ولو بسيط لما بذله من أجل الحفاظ على جزء لا يُستهان به من جدود وآباء يهود العالم، ومَن يزرع الخير يجد أضعاف أضعافه وقت الحاجة، وما زيارة وزير دفاعها للتوقيع على سلسلة من الاتفاقيات المهمة، وخاصة ما يعود منها على المجالين الأمني والعسكري، إلا دليل على وصول المغرب إلى المكانة المرموقة إقليميا ودوليا وهو يشق طريقه على النهج الصحيح ليحظى بما يستحقه من تقدم وازدهار، على غرار الدول القادرة على حماية نفسها ومَن يحالفها الند للند، بما يجعل للسلام روادا يحققونه مهما كلف.



