المنبر الحر

المنبر الحر | القبائل التي حالت دون دخول الاستعمار التركي للمغرب

على هامش ذكرى الاستقلال

بقلم: الحسن العبد

    في ذكرى الاستقلال، يقع علينا واجب الترحم على روح كل المجاهدين المغاربة الأبرار بكل جهات المملكة والذين ساهموا في الدفاع عن حوزة البلد والذود عن الوطن، وكما قال الحسن الثاني: “لكل جهة رجالاتها”، فلم تكن قبائل الحياينة بمعزل عن باقي القبائل والمناطق المقاومة للاستعمار، ولن أبالغ إذا قلت أن الحياينة تحملت كثيرا من العبء في سبيل الدفاع عن فاس، عاصمة المغرب آنذاك، على اعتبار تموقعها الاستراتيجي شمال شرق فاس، والذي كان له وقع كبير في تحملها لمسؤوليات جسام.

كانت قبائل الحياينة تصد الهجمات وتقف حاجزا في وجه الأطماع الخارجية القادمة من الجهة الشرقية نحو الداخل، وتازة تتآزر مع قبائل مجاورة لإخراج ومحاربة المستعمر الماسك بزمام الحكم في فاس، وإلى جانب ذلك، كانت تشارك في صنع سياسة فاس كما يشير إلى ذلك الدكتور مزين: ((ومثال ذلك قبائل الحياينة بفروعها الثلاثة: أولاد عمران وعليان وأولاد رياب، وما كان لهم من دور كبير في سياسة فاس أواخر العهد السعدي..)).

وقبائل الحياينة حسب المصادر التاريخية، لم تنخرط في المقاومة ضد الفرنسيين في عهد الحماية والاستعمار فحسب، بل كان لها دور كبير في صد هجومات العدو قبل دخول المعمر الفرنسي وقبل الحماية، ولعل من البطولات الكبرى التي سجل الانتصار فيها لقبائل الحياينة، معركة “وادي اللبن” ضد الجيش التركي، الذي حاول الدخول إلى المغرب عن طريق الجزائر بعد أن استولوا على شمال إفريقيا، غير أنه لم يستطع مع ذلك التوغل إلى عاصمة المغرب الأقصى، إذ وجد أمامه جيشا قويا منظما من قبائل الحياينة، وبعد هذه المحاولة التي سبقت عهد الاستعمار الفرنسي، جاءت محاولة الهبري الجزائري، الذي التمس من فرنسا وهي آنذاك تستعمر الجزائر، تزويده بالعتاد والرجال واعدا إياهم بضمان النصر والدخول إلى فاس، في عهد السلطان الحسن الأول، وعمدت فرنسا لتجهيزه بجيش من الجزائر لاحتلال المغرب وتسليمه لفرنسا، آنذاك وصل الخبر إلى السلطان الحسن الأول وهو بين تازة وفاس، مما دفع بالسلطان للاستنجاد بقبائل الحياينة وقائدها محمد لحمر، الذي كان برأس الواد، وقيادة هذا الأخير تكبد جيش الهبري الجزائري المدعوم بالجند والعتاد خسائر كبيرة وجرى خلال المواجهة بين جيشه وقبائل الحياينة إلقاء القبض على الهبري وتم اقتياده مكبلا إلى فاس وسلمه القائد لحمر هدية للسلطان الحسن الأول والقصة بتفاصيلها مبسوطة في كتاب “الحلل البهية في تاريخ الدولة العلوية” للمشرقي.

تتمة المقال بعد الإعلان

كانت هذه إحدى المحطات البارزة في المقاومة التي سجلها التاريخ لقبائل الحياينة قبل الابتلاء بالاستعمار الفرنسي، وبحكم تواجد منطقة الحياينة بالقرب من فاس، وهي آنذاك تحت الحكم الفرنسي، وفي المحور الرابط بين فاس ووجدة، جعلت فرنسا الجنرال ليوطي يخطط لتأمين الطريق الذي يوصل فاس بالجزائر: مستعمرتها الأولى بشمال إفريقيا، بضبط تحركات القبائل المجاورة لفاس من مغبة تهديدها لسلامة محورها الاستراتيجي، هذه الدواعي وغيرها جعلت ليوطي منذ دخوله لمدينة فاس، يوجه اهتمامه صوب القبائل المحاذية لإخضاعها، واستغلال خيراتها الوافرة التي فتحت شهية المعمر للاستحواذ على ضيعات ضفاف أودية سبو وإيناون، مما دفع المقيم العام الفرنسي لبسط السيطرة على هذه المناطق وإخضاعها للحكم العسكري بسبب شدة مقاومة رجالاتها وصلابتهم، وهذا ما لم تقبله قبائل الحياينة، حيث دفعها ذلك للالتفاف حول القيادات القبلية المحلية الداعية للجهاد ضد الكفار (المستعمر الفرنسي)، إذ استطاعت أن تفشل التحركات الاستعمارية التي وجهها الجنرال ليوطي لإخضاع المنطقة لأهميتها الاستراتيجية في المعادلة السياسية لإدارة الحماية، مما دفع بسلطات الحماية للقيام بمحاولات لاستمالة بعض القبائل المجاورة للحياينة قصد التحالف معها وإخضاع قبائل الحياينة وقبائل أخرى لسيطرتها، غير أن الأحداث التاريخية أكدت فيما بعد أن هذه القبائل وقفت بالمرصاد في وجه الاستعمار الفرنسي، إذ اشتبك الجيش الفرنسي بقيادة الجنرال كورو في 22 يونيو 1913، مع قبائل الحياينة شمال غرب واد إيناون وصولا إلى تيسة، وفي جبل أمركو بمولاي بوشتى، وقف الجنرال مواتيي الذي كان على رأس قيادة الجيش الفرنسي بمنطقة فاس، في مواجهة مع القائد الفشتالي السملالي، وسقط في هذه المواجهة ثلاثة ضباط فرنسيين وجرح 18 آخرين، هذه الهزيمة النكراء دفعت ليوطي لعزل مواتيي وتعويضه بالجنرال ديسبري، الذي واصل الحرب ضد قبائل الحياينة ومركزها تيسة إلى حدود شهر أكتوبر 1913، وفي تلك المواجهات كانت الجيوش الفرنسية مجهزة بأحدث الأسلحة المتطورة، ولم تكن بالمقابل لقبائل الحياينة وغيرها ممن جاورها سوى الفرسان والأسلحة البسيطة وما تغنمه من العدو على قلته، إذ استطاعت رغم تباين ميزان القوى، من إيقاف زحف الجيش الفرنسي لوقت طويل، مضحية في ذلك بشهداء كثر وبدواوير ومحاصيل ومغروسات دمرت عن آخرها، لما كانت أبدته قبائل الحياينة من بطولات ضد الجنود الفرنسيين، وفي هذا يقول مصطفى العلوي في مؤلف “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية”: ((لقد بدأت متاعب ليوطي عندما أعلن أن فاس هدأت وخرج الجنرال كورو في جولة بضواحي فاس يوم 14 يونيو من عام 1912م، وفقد 12 من ضباطه وجنوده وعلى رأس القتلى الليوتنان هولتز… ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إنه في شهر مارس من عام 1913م، منعت قبائل الحياينة دخول الجيش الفرنسي إلى مركز تيسة عاصمة الحياينة، بفعل ذلك اضطر الجنرال كورو لإيقاف كل تحركات العسكر الفرنسي نحو المنطقة بسبب المقاومة العنيفة للقائد الحجامي الذي كان يجابه القوات الفرنسية بتنسيق مع قبائل الحياينة والقائد الفشتالي، وقد شكل هؤلاء معا درعا قويا في وجه الاستعمار الفرنسي المتمركز بمدينة فاس على مشارف قبائل الحياينة، وحاول الجنرال كورو فك هذا الحصار في هجمة قادها بنفسه في 24 يناير 1914))، ويؤكد مصطفى العلوي أن ((الجنرال كورو إنما كان يقوم باستعراض قوة جيشه لإرهاب قبيلة الحياينة، حيث أنشأ لهذا الغرض مركزا للمراقبة والتتبع على بعد 10 كيلومترات من تيسة في موقع الزرارفة..)).

مقابل الوضع الحرج الذي وضعت فيه القوات الفرنسية في مواجهتها لقبائل المنطقة، اضطر الجنرال ليوطي المقيم العام الفرنسي إلى تنظيم حملة عسكرية جديدة قادها بنفسه وفق خطة رسمها بنفسه، فأصدر أوامره للجنرال بومكارطن للحضور على رأس قواته، وبالفعل وصل في 15 ماي 1914، وهنا كان القرار الذي لم يسبقه مثيل، حيث اجتمعت كل القوات الفرنسية، وقرر المقيم العام بنفسه خوض المعركة بتقسيمه للجيش إلى مجموعات ثلاث: فيلق ترأسه شخصيا وفيلق ثان بقيادة الجنرال كورو، وفيلق ثالث بقيادة الجنرال بومكارطن، هذه المجموعات الثلاث عززت بالعتاد المتطور والمدفعية وسلاح الجو، ملحقة بالقبائل الثائرة خسائر جسيمة بعدما لقيت مقاومة عنيفة من قبيلة الحياينة بالخصوص، فقد تعرضت الفيالق الثلاثة في واد إيناون، الذي يخترق قبيلة أولاد رياب في الوسط، يومي 16 و17 شتنبر 1914، لهجوم قوي من قبل ساكنة هذه القبيلة، ويذكر مصطفى العلوي في المناورات نقلا عن وثائق بالأرشيف الفرنسي قول محررها: ((لقد كنا نضرب مهاجمينا بالمدافع… وتنتهي هذه المعركة بوضع القبيلة تحت الحكم العسكري طيلة الفترة الاستعمارية بقيادة هنرس)).

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

تعليق واحد

  1. شكرا على هذا المقال الرائع و لكني أواخذك على بعض النقط:
    الأولى هي أن القائد الذي هزم الهبري يدعى محمد بن قدور البوزياني كما هو مذكور في كتاب الحلل البهية وهو من قبيلة أولاد بوزيان المعروفة إلى هذا العهد جنوب شرق الحياينة جيران قيبلة أولاد ازباير التسول و غياثة و هي تابعة لجماعة أوطابوعبان. وليس رأس الواد كما ذكرتم.

    النقطة الثانية هي أن الحياينة لم تكن معروفة بهذا الإسم في معركة واد اللبن سنة 1558، فأول ظهور لهذا الإسم في التاريخ كان سنة 1595 في كتاب مناهل الصفا للفشتالي

    النقطة الثالثة إغفالكم حرب تطوان سنة 1860 و مساهمة الحياينة فيها كما ذكر كتاب الإستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى:”وتقدم حتى كان بوادي أبي صفيحة فلما شعر به الناس من أهل المداشر والمتطوعة تسابقوا إليه من كل جانب ووافق ذلك اليوم قدوم عرب الحياينة جاؤوا في حرد كبير وحنق شديد فقويت قلوب الناس بهم واشتد أزرهم وتقدموا إلى العدو فأنشبوا معه الحرب بأبي صفيحة قبل أن يصل إلى محلة المسلمين وكثروه فأوقعوا به وقعة أنست ما قبلها فقتلوا منه ما خرج عن الحصر وأما الجرحى فقل ما شئت وكست قتلاه الأرض ولما أعياه الدفن جعل يجمع الجماعة من الثمانية إلى العشرة ويهيل عليها التراب ومع ذلك بقي منه عدد كبير بلا دفن حتى أنتن موضع المعركة من شدة نتن الجيف ونال المسلمون من عدوهم في هذا اليوم ما لم ينالوا قبله مثله ولا ما يقاربه وكان الذكر فيه لعرب الحياينة ثم للمتطوعة غيرهم وأما محلة المولى العباس فكانت بعيدة عن المعركة بمسافة كبيرة ‘ وقد ذكر منويل خبر هذا اليوم فأقر بأنه أهرق منهم دم كثير وخسروا فيه عددا كبيرا من نفوس العسكر والخيل ولما بلغ المولى العباس أن العدو قد برز من تطاوين وأن المسلمين يقاتلونه الآن في أبي صفيحة قلب رأيه واستأنف النظر في عاقبة أمره ورأى أن المسلمين وإن نالوا من العدو في هذه المرة وأبلغوا في نكايته لكن الثمرة ضعيفة من جهة أن نكايتنا له إنما هي في القتل والجرح ونكايته في أخذ الأرض والاستيلاء عليها كما قلنا غير مرة فجنح رحمه الله إلى الصلح واختاره على الحرب حتى تدور للمسلمين سعود إن شاء الله”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى