بين السطور

بين السطور | عندما يدخل الفقر من النافذة.. يهرب الحب من الباب (…)

بقلم: الطيب العلوي

  كل من لا يعرف المغرب، وأتاه الحظ العظيم(…) أن تحط به الطائرة في مطار محمد الخامس، الذي يكتنز في أبهائه إبداع الرفاهية من رخام وأسقف زجاجية، وشق طريقه نحو وسط مدينة الدار البيضاء، طريق يرى فيه بين الفينة والأخرى المباني العشوائية “المزينة” واجهاتها بالبارابولات وقطع الثوب والبلاستيك المتناثرة، كي يصل إلى حضارة(…) حي المعاريف، ليفاجأ من جديد بمزيج متناقض من الشرائح الاجتماعية: الفقراء، الذين لم يبق أي شيء يُقال في حقهم(…)، والأثرياء، الذين لا شغل لهم إلا سباق “الموضة”، من ألبسة ومجوهرات وسيارات، منهم من يقتني ما شاء من مختلف العلامات التجارية الراقية التي عززت وجودها بالمملكة محققة مداخيل أكيدة(…)، ومنهم من يصل به التباهي حد اقتناء كل ما يحتاجه من الخارج، دون الحديث عمن رمى به الهوس صوب البحار، مطاردا حلم امتلاك أحدث اليخوت، وأفخر القوارب.

ورغم أن أصحاب مظاهر البذخ لا تتعدى نسبتهم الواحد في الألف، فإن هذا الزائر يبقى حائرا بين تصنيف المغرب هل هو من الدول الغنية، أم الفقيرة؟ فهو يرى مستوى عيش هؤلاء ويقارنه بمظاهر الفقر التي تتقاسم نفس المشهد، والكاشفة لوضعية المحنة التي تهدد فئات عريضة من نفس المجتمع، من حاجة وتهميش وتدهور للمستوى المعيشي، وانتشار للسكن غير اللائق الذي يقطنه أزيد من 5 ملايين مواطن.. تناقض يدفع الزائر نفسه، بعد ساعات من وصوله، ودون دراية بأي جانب من جوانب المغرب(…)، إلى تأكيد مقولة ويليام شيكسبير: “أن ترى كثيرا ولا تملك شيئا، هو أن تملك عينا غنية ويدان فقيرتان”.

والخلاصة التي يخرج بها الزائر، قد تدفعنا فعلا للتساؤل ما إذا كان معدل الأيادي الغنية في هذا البلد السعيد، قادرا يوما ما على تغطية حاجيات أصحاب الغنى بالأعين فقط(…)، بمعنى، إذا ما تم توزيع الثروات بالإنصاف، هل سنحقق توازنا مشرّفا بين مختلف الطبقات والشرائح ؟

الجواب جاءنا مؤخرا، وبصيغة مختلفة، عبر إحصائيات بنك المغرب لمتم الدورة الثالثة من سنة 2021، حيث أنه بين الأسر والمقاولات، بلغت القروض الموزَّعة على المغاربة حوالي 85 % من الناتج المحلي الإجمالي، ما يعني أن المبلغ الجاري للقروض البنكية للمغاربة، يناهز الألف مليار درهم، ولا داعي لتحويلها للسنتيم(…).

وكي نجيب بصيغة مختلفة(…)، إذا قسمنا مجموع القروض الممنوحة على عدد المغاربة الأربعين مليونا، فإننا سنحصل على نتيجة صادمة ومخيفة، تقر بأن كل مغربي “كايتسال” ما يعادل 25.000 درهم للبنوك، بمن فيهم الأطفال والرّضع، وبمعنى آخر، فإن كل مزداد، يفارق بطن أمه بدين قدره 25.000 درهم، أي حتى قبل أن يلجأ بدوره، عند نضجه(…)، إلى الاقتراض لتجهيز سكنه أو شراء سيارته أو دراسة أبنائه.

وإذا أضفنا لكل هذا، المعطيات المشيرة إلى أن تداعيات جائحة “كورونا” رفعت نسبة الفقر، والإحصائيات الرسمية للمندوبية السامية للتخطيط التي أظهرت أن ثلث الأسر لم تعد تملك مصدراً للدخل بسبب الحجر الصحي، فلا زائر المغرب، ولا سكانه، قد يخمنون إمكانية تحقيق توازن اقتصادي كيفما كان نوعه، بتوزيع ثروات أصحاب اليخوت القلائل، على أصحاب “البراريك” الكُثُر(…)، خصوصا عند الأخذ بعين الاعتبار حكمة المؤلف سيرفانتيس: “من الفقير إلى الغني هناك يدان، ومن الغني إلى الفقير هناك أصبعان”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى