ملف الأسبوع

ملف الأسبوع | كيف حاولت الجزائر منع الحسن الثاني من تنظيم المسيرة الخضراء

"الأسبوع" تكشف عن أسرار من الأرشيف الأمريكي..

تحل الذكرى السادسة والأربعين للمسيرة الخضراء في سياق دولي خاص، بعد أن كان شهر أكتوبر المنصرم مليئا بالأحداث، خاصة مع الجارة الشرقية، التي رغم مناوراتها في هيئة الأمم المتحدة، إلا أنها لم تنجح في استصدار قرار يكون في مصلحتها أو مصلحة ابنها غير الشرعي، البوليساريو.. فقد صوت أعضاء الهيئة الأممية على تمديد عمل بعثة “المينورسو” في الصحراء لسنة أخرى، الأمر الذي جعل وزارة الخارجية الجزائرية تصدر بلاغا تتهم من خلاله بعض الدول بمحاباة المغرب في قضية الصحراء المغربية.

وقد كان آخر ما قامت به الجزائر، هو إصدار أمر رئاسي في آخر يوم من شهر أكتوبر، يقضي بوقف مرور الغاز عبر الأنبوب المار فوق الأراضي المغربية والمتوجه إلى الأراضي الإسبانية، واليوم يحل علينا شهر نونبر الذي نستحضر فيه ذكرى عزيزة، وهي المسيرة الخضراء المظفرة، في ذكراها السادسة والأربعين، نقوم في هذا الملف بكشف بعض الأسرار من خلال الأرشيف الأمريكي، خصوصا المتعلقة بكيفية سعي الجزائر إلى الضغط على أمريكا من أجل أن تعمل على ثني الملك الراحل الحسن الثاني عن تنظيم المسيرة الخضراء.

 

أعد الملف: سعد الحمري

 

قرار محكمة العدل الدولية الغامض هو سبب قيام الحسن الثاني بالدعوة إلى المسيرة الخضراء

    تقدم المغرب يوم 23 شتنبر 1974، بطلب إلى الأمين العام للأمم المتحدة، وإلى الحكومة الإسبانية، لإحالة ملف الصحراء المغربية على محكمة العدل الدولية في لاهاي، لتبدي رأيا استشاريا لتعزيز مطالبه بحقوقه التاريخية على الإقليم، وبعد أن وافقت الجمعية العامة على الطلب المغربي، أحالته على محكمة العدل الدولية المذكورة، والتي عقدت 27 جلسة علنية من 25 يونيو إلى غاية 30 يوليوز 1975، وكان الملك الحسن الثاني واثقا تماما من أن حكم المحكمة سيكون في مصلحة المغرب، غير أنه، ومع اقتراب صدور قرار المحكمة، وقعت بعض التحولات داخل هيئة الأمم المتحدة لم تكن في مصلحة بلادنا، وجعلت الأمور تنقلب بزاوية قدرها مائة وثمانون درجة، وفي هذا الصدد، أشار تقرير لـ”سي. آي. إي”، صدر يوم 3 أكتوبر 1975، إلى أنه يسود قلق داخل الدوائر المسئولة في الرباط، من كون ((حكم المحكمة الدولية بلاهاي، سيكون غامضا أو في غير صالح المغرب، وأن لجنة نزاع الاستعمار الأممية ستقرر منح الاستقلال للصحراء)).

وقد كانت توقعات المغرب صادقة بخصوص حدوث تغيرات داخل هيئة الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية، وكان من شأنها أن تؤدي إلى صدور حكم غامض أو في غير مصلحة المملكة، وهو فعلا ما حدث، حيث كان الحكم غامضا وفي غير مصلحة المغرب، وبعد يوم من ذلك، أي يوم 17 أكتوبر، التقى عبد الهادي بوطالب، سفير المغرب بأمريكا، بوزير الخارجية الأمريكي، هنري كيسنجر، وأكد له أن رأي المحكمة الدولية ولجنة تقصي الحقائق، كان في صالح المطالب المغربية، حيث أن لجنة تقصي الحقائق تحدثت عن العلاقات الخاصة بين المملكة المغربية والصحراء، كما أشار إلى أن الصحراء ليست منطقة مستعمرة بالشكل المعتاد، حيث أنها ليست منفصلة، ولكنها جزء من تراب بلد آخر هو المغرب، وبالتالي، فإن الوحدة الترابية في هذه الحالة، تصبح ذات أولوية بالنسبة لكل الأمور الأخرى.

أما بالنسبة لرأي محكمة العدل الدولية، فقد ذكر بوطالب أنها أعلنت عن وجود علاقات بيعة بين الصحراء والعاهل المغربي حتى في وقت احتلالها من طرف إسبانيا، وأكد أن المغاربة يعتقدون أن محكمة العدل الدولية تدعم الموقف المغربي فيما يخص مسألتي كونها أرضا بلا سيادة، ووجود علاقات بين المغرب والصحراء، كما شدد على أنه لا يجب الاستخفاف بمعطى وجود “علاقات تاريخية وبيعة”، وأشار السفير المغربي خلال ذات اللقاء، إلى أنه توجد بلدان ضمت أراضي فقط لوجود البيعة دون وجود علاقات سيادة، وبخصوص قرار محكمة العدل الدولية القائل بأن المشكل يجب أن يحل عبر تقرير المصير، فقد أكد بوطالب أن ذلك ليس من اختصاص المحكمة على اعتبار أنها تختص بالمسائل القانونية فقط، أما المسائل السياسية، فهي ليست من شأنها.

وفي ذات اللقاء، أكد السفير المغربي أن ((إسبانيا رضخت للرغبة الجزائرية في صنع دويلة لكي تسيطر عليها فيما بعد، وإذا انتظرنا سنخسر كل شيء، أمس قالت وكالة أنباء في مدريد، أن تسعة مغاربة وعنصر واحد من البوليساريو قد قتلوا في الصحراء، يبدو واضحا جدا أن إسبانيا لم تعد تسير وتدبر المنطقة، بل عناصر أخرى تفعل ذلك، فنحن لا نريد حربا مع إسبانيا، ولكن إن قامت بمنحها إلى متمردين مغاربة أو أجانب، حينها نعتقد أنه من حقنا أن نطلب من الولايات المتحدة، صديقتنا، أن تساعدنا وتكون متعاطفة مع قضية المغرب، الأمر ليس أن تختاروا بين المغرب وإسبانيا، ولكن أن تختاروا بين المغرب وعناصر أجنبية تريد أن تستولي على ما هو حق مغربي)).

ضغوط جزائرية إسبانية على أمريكا من أجل منع الحسن الثاني من القيام بالمسيرة الخضراء

    بالتزامن مع ذلك، أعلن الحسن الثاني، يوم 16 أكتوبر 1975، عن تنظيم مسيرة مدنية سلمية، الأمر الذي خلف ارتباكا وضغوطا على الأمريكان من طرف الإسبان والجزائريين، الذين طالبوا أمريكا بالتدخل من أجل منع المغرب من القيام بهذه الخطوة.

ونتيجة لهذه الضغوط، حاولت أمريكا من جهتها، الضغط على الحسن الثاني لثنيه عن الإقدام على هذه الخطوة مقابل متابعة القضية أمام هيئة الأمم المتحدة، حيث أرسل هنري كيسنجر، رسالة إلى الحسن الثاني، يوم 19 أكتوبر 1975 في هذا الإطار، ومما جاء فيها: ((أنا على اطلاع بخطابكم الأخير، وعلمت أنكم تنوون تنظيم مسيرة مدنية إلى الصحراء، وعلى ضوء قرار المحكمة الدولية وتقرير لجنة تقصي الحقائق الأممية، أود أن أخبركم أن المشكل سيحل لوحده عبر الوسائل الدبلوماسية، وأطلب منكم أن تتراجعوا عن خططكم وأن تأخذوا الوقت الكافي من أجل تجريب كل الفرص الممكنة لاتفاق يجعلنا نتجنب نزاعا عسكريا أو مواجهة سياسية))، غير أن المغرب الذي لم يكن يرغب في الانتظار وإطالة أمد قضية الصحراء، وكان يود إنهاء الأمر بسرعة، لم يذعن للضغوط الأمريكية وأصر الملك الحسن الثاني على تنظيم المسيرة الخضراء، وفي مقابل ذلك، أعربت الجزائر عن رفضها الصريح للمسيرة الخضراء.

وفي خضم هذا المستجد، قام مبعوث وزير الخارجية الأمريكي بجولة لكل من المغرب والجزائر وإسبانيا، وخلال زيارته للجزائر، طلب منه بومدين أن يلتمس من وزير الخارجية الأمريكي، أن يضغط على المغرب أكثر لثنيه عن قراره بخصوص تنظيم المسيرة الخضراء.

وبالتزامن مع زيارة مبعوث وزير الخارجية الأمريكي للمنطقة، حدثت مناورات داخل أروقة الأمم المتحدة، أدت إلى استصدار قرار من طرف الهيئة الأممية، وهو القرار الخاص بطلب الأمين العام للأمم المتحدة من الأطراف المعنية والمهتمة بالأزمة، بإجراء مشاورات، وقد كان على أمريكا، التي لم تنجح في إقناع الحسن الثاني في العدول عن فكرة تنظيم المسيرة الخضراء، أن تؤيد القرار الأممي إرضاء للجزائر، وهو ما فعلته.

بعد تأييد أمريكا للقرار الأممي، أرسل كيسنجر رسالة إلى بومدين، يوم 26 أكتوبر، يؤكد له من خلالها بأن بلاده أيدت القرار الأممي الجديد بخصوص الصحراء المغربية، وجدد التأكيد على أن موقف بلاده من القضية هو الحياد، حفاظا على علاقات جيدة مع جميع الأطراف، وقد تزامنت زيارة مبعوث وزير الخارجية الأمريكي إلى المغرب في إطار الجولة التي كان يقوم بها للبلدان الثلاثة، مع بداية المحادثات الثنائية بين المغرب وإسبانيا، في مدينة مراكش، وانتابت الجزائريين شكوك عن مشاركة الأمريكان في تلك المحادثات أو الضغط على الإسبان لمصلحة المغرب، ونجد من خلال الرسالة التي وجهها كيسنجر إلى بومدين، تأكيدا على أن زيارة مبعوثه إلى المغرب تزامنت مع بداية المحادثات الثنائية بين المغرب وإسبانيا، كما أكد له أن أمريكا من خلال تصريحاتها العلنية، فإنها لم تشارك بأي شكل من الأشكال في المحادثات الثنائية بين المملكتين الإيبيرية والمغربية، كما أنها لم تلعب دور الوساطة.

مناورات جزائرية داخل أروقة هيئة الأمم المتحدة من أجل منع المسيرة الخضراء

    بينما كانت النقاشات دائرة في كل من المغرب وإسبانيا والجزائر، كانت الأمم المتحدة تعرف نشاطا آخر بخصوص القضية، حيث أعد الأمين العام للأمم المتحدة، مشروع قرار حول قضية الصحراء المغربية، ومن خلال رسالة أرسلها السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة، إلى وزير خارجية بلاده، يوم 29 أكتوبر من نفس السنة، نجد أن الأمين العام الأممي أعد المشروع بناء على تجربة غينيا بيساو، وأشار السفير الأمريكي لوزير خارجيته، إلى أن مشروع قرار الأمين العام مشكوك في مدى إمكانية تطبيقه، حيث تضمن ثلاث نقاط: أولا، أن تعلن إسبانيا أنها ستخرج من الصحراء يوم 1 فبراير 1976، ثانيا، إعلان المغرب عن إلغائه للمسيرة المدنية، وثالثا، وضع سلطة أممية تعمل على تنسيق الخروج الإسباني وعلى تنظيم استفتاء، وقد ذكر السفير الأمريكي في هذه الرسالة، أن ((الأمين العام للأمم المتحدة قال له بأن إسبانيا والجزائر متفقتان على تلك الخطة، وتنتظران فقط الرد المغربي والموريتاني))، وأكد أن ((وزير خارجية إسبانيا اقترح أن يتم تمثيل الصحراويين في مجلس الأمم المتحدة لفترة مؤقتة)).

وضمن نفس الرسالة، أشار السفير الأمريكي إلى أن ((الأمين العام للأمم المتحدة، ركز في صياغة مشروع القرار، على موقف الرئيس الجزائري، المتشنج من إمكانية اتفاق ثنائي بين المغرب وإسبانيا، حيث طلب هواري بومدين من الأمين العام الأممي، أن يرسل رسالة إلى أمريكا يطالبها من خلالها بالتدخل لدى الحسن الثاني، من أجل حثه على إلغاء المسيرة الخضراء))، وأشار أيضا إلى أن ((الأمين العام للأمم المتحدة، أخبره أن بومدين استعمل خطابا عصبيا في مكالمته معه حيث قال له: إن الحسن الثاني يلعب بالنار، والمسيرة الخضراء يجب أن تلغى والجزائر لن تقبل بها))، ثم اقترح السفير الأمريكي على هنري كيسنجر، إرسال رسالة إلى بومدين يخبره من خلالها بأن أمريكا بصدد القيام بتدخل من أجل ثني الحسن الثاني عن القيام بالمسيرة الخضراء، وهذه هي تفاصيل مشروع القرار الأممي الذي اقترحه الأمين العام ووافقت عليه إسبانيا والجزائر:

أولا: إعلان إسبانيا عن انسحابها من الصحراء يوم 1 فبراير 1976 بشكل رسمي، وتطلب من الأمم المتحدة أن تتكلف بالمنطقة في إطار سياسة نزع الاستعمار، ولن تطلب إسبانيا بعد هذا التاريخ أي تغيير في حالة الأراضي.

ثانيا: يعلن المغرب عن إلغاء المسيرة، ولن يقوم بأي خطوة إلى أن تناقش الجمعية العامة القضية وتحلها بشكل تام.

ثالثا: إذا طلب المغرب وموريتانيا الاعتماد عل قرار الأمم المتحدة رقم 1541 القائل بإمكانية ضم أرض بلا سيادة إلى دولة مستقلة، فإن الرد هو أنه يوجد مبدأ رقم 9، القائل بأن هذا الحل يطبق بشرط معرفة رأي الساكنة بشكل حر وديمقراطي.

رابعا: إذا اتفقت جميع الأطراف، ستؤسس الأمم المتحدة سلطة مؤقتة لتسيير المنطقة حسب ما يلي: مراقبة الانسحاب الإسباني، إدارة الشأن المحلي، العمل على عودة اللاجئين، التفاوض على طريقة لاستشارة السكان: شكل الاستشارة والأسئلة المطروحة وتحديد هوية الصحراويين المنتمين إلى المنطقة، خلق مناخ من الهدوء والتعبير الحر.

كيسنجر أثناء استقباله من طرف بومدين في الجزائر

هكذا شكك بومدين في دعم أمريكا للمغرب من أجل القيام بالمسيرة الخضراء

    لقد كانت توقعات السفير الأمريكي لدى هيئة الأمم المتحدة، صادقة بخصوص عدم إمكانية تطبيق مشروع القرار الذي تقدم به الأمين العام للأمم المتحدة، حيث لم يقبل به المغرب، وأمام هذا الوضع، غضب الرئيس الجزائري واستدعى السفير الأمريكي إلى القصر الرئاسي، وكان بومدين قد شكك بأن أمريكا ضغطت على إسبانيا لمصلحة المغرب أثناء محادثات مراكش، ويصف السفير الأمريكي في رسالة له مؤرخة بـ 30 أكتوبر، إلى وزير خارجيته، بأن بومدين كان قلقا خلال ذلك اللقاء إلى درجة كبيرة، وقال له بأن المسيرة الخضراء تهدد أمن المغرب العربي بكامله، وأبرز أن أمريكا التي لم تستطع أن توقف الحسن الثاني عن القيام بالمسيرة الخضراء، لا يمكن الحديث عن كونها كانت محايدة في هذه القضية، وقال له بأن لا أحد في المنطقة يصدق أن الحسن الثاني كان ليذهب إلى الصحراء دون مباركة أمريكا، كما أكد للسفير الأمريكي، أن أمريكا إن لم توقف المسيرة الخضراء، فإنها ستكون مهددة على نحو صريح في المنطقة.

نقل كيسنجر قلق بومدين إلى الحسن الثاني، وطالبه بعدم القيام بالمسيرة الخضراء، والدخول في المفاوضات والمشاورات التي دخل فيها الأمين العام للأمم المتحدة، غير أن موقف الحسن الثاني لم يتغير، أما من الجانب الإسباني، فقد أكد وزير الخارجية الإسباني، أنهم استعملوا كل الوسائل مع المغرب أثناء المفاوضات من أجل منع المسيرة الخضراء، إلا أن المغاربة ظلوا متشبثين بأن المسيرة الخضراء غير قابلة للتفاوض.

جاء في رسالة مؤرخة بـ 2 نونبر، أن وزير الخارجية الإسباني أخبر السفير الأمريكي بأنهم يتوفرون على معلومات جد دقيقة، تؤكد أن من بين الذين سيذهبون في المسيرة الخضراء، هناك 25000 من أعضاء القوات المسلحة الملكية، وأنهم يتوفرون على أسلحة خفيفة، وأشار إلى أن الحكومة الإسبانية متأكدة من أنه بمجرد دخولهم الصحراء أثناء المسيرة الخضراء، فإن الجنود المختلطين بالمدنيين، سيشرعون في غزو الصحراء، ومن جانبه، أشار أيضا وزير الخارجية الإسباني إلى أن دور أمريكا يكمن في جعل الحسن الثاني يفهم بأن المسيرة الخضراء لا يمكن أن تصنع سوى صراعا ونزاعا عسكريا جديدا في المنطقة، كما ناشد كيسنجر لأجل أن يفعل كل ما في وسعه لإيقاف الحسن الثاني عن القيام بالمسيرة الخضراء.

أرسل كيسنجر يوم 2 نونبر مرة أخرى رسالة إلى الحسن الثاني، أخبره من خلالها بمخاوف الإسبان من أن تضم المسيرة الخضراء عناصر عسكرية، كما أكد له أن الإسبان يرغبون في التوصل إلى حل تفاوضي، وأوضح له أن الكل قد يرى أن إسبانيا قامت بمسؤوليتها الدولية تجاه القضية، وأكد له أن أمريكا تشجع المفاوضات المغربية الإسبانية، كما حاول إقناعه بأن التفاوض مع إسبانيا أمر مشجع في ظل الوضع الداخلي الصعب الذي تواجهه، فكان رد الحسن الثاني على المطالب الأمريكية بخصوص الاقتناع بالحل التفاوضي مع الإسبان تحت رعاية هيئة الأمم المتحدة والتخلي عن المسيرة الخضراء السلمية، أن أوضح في رسالة بعثها إلى كيسنجر بتاريخ 3 نونبر، أي بعد يوم من رسالة كيسنجر إليه، أن تلك المبادرة التي طرحت في الأمم المتحدة، هي مبادرة جزائرية، وأكد أن له اليقين ومقتنع بأن المبادرة من وحي خارجي، وخصوصا بعد النقاشات الجزائرية السوفياتية في مجلس الأمن.

ومن خلال هذه الرسالة، أكد الملك أن الاتحاد السوفياتي هو الذي يدفع الجزائر لتبني موقف متعنت من المسيرة الخضراء، وذلك في مسعى منه لخلق محور توتر جديد في غرب البحر الأبيض المتوسط بهدف التدخل في المنطقة، نظرا لأن نفوذه بدأ يتقلص في الشرق الأوسط، وبذلك اتجه المغرب للمسيرة الخضراء، وتوجهت الحشود يوم 6 نونبر إلى الصحراء، ودخلت إليها بطريقة سلمية، وقد أعقب ذلك الاتفاق الثلاثي بين المغرب وموريتانيا وإسبانيا، يوم 14 نونبر 1975. 

لم تقبل الجزائر بهذا الاتفاق وأعلنت رفضها له، وبقي رأي الجزائريين مستقرا بأن أمريكا ضغطت على إسبانيا لمصلحة المغرب، وعندما التقى وزير الخارجية الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، بنظيره الأمريكي، في باريس يوم 17 دجنبر 1975، أكد له كيسنجر، أن أمريكا لم تضغط على الإسبان في قضية الصحراء، وأن بلاده حاولت الضغط على الحسن الثاني من أجل العدول عن تنظيم المسيرة الخضراء، غير أن بوتفليقة لم يقتنع بما قاله كيسنجر وجدد التأكيد على أن أمريكا كان في استطاعتها أن توقف المسيرة الخضراء، وعلى العكس، فقد أعطت الضوء الأخضر للحسن الثاني لكي يقوم بها، وفي الأخير، أخبره أن الجزائر لن تتخلى عن البوليساريو، كما أشار إلى أن الجزائر لن تلعب الدور الذي كانت أمريكا تنتظر منها أن تلعبه في صناعة السلام في الشرق الأوسط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى