بين السطور

بين السطور | المغرب شاسع(…) والأسد جائع

بقلم: الطيب العلوي

    من بين القصص القديمة التي كانت تُروى للصغار من باب التنويم، وللكبار من باب الحكمة والموعظة(…)، حكاية ملك طلب من خدّامه تجويع أحد الأسود والتقليل من تقديم اللحم له، حتى يزيد سغبه، ثم نادى الملك على مستشاريه وأشار إليهم بأن هذا الأسد هو عقوبة لكل شخص قد يرتكب يوما أي مخالفة أو معصية.

وبعد مرور حوالي 12 سنة، ارتكب أحد الوزراء خطئا، حيث أمر الملك برميه للأسد الجائع، إلا أن الوزير المخطِئ استغرب من الحكم الجاري عليه، وذَكّر الملك كيف ظل خادِمَه الوفي لمدة 12 سنة دون أن يرى فيه أي عيب، طالبا منه أن يعطيه مهلة 12 يوماً إضافية من الحياة قبل الرمي به إلى الأسد ليلتهمه، وما إن وافق الملك على طلبه، حتى توجه الوزير المحكوم مسرعاً لقائد الحرس ومعه شرابا ولحما كثيرا، فطلب منه الدخول لمقابلة الأسد، وهكذا أخذ بإطعامه واللعب معه كل يوم، لمدة اثنتي عشر يوماً.

تتمة المقال بعد الإعلان

وبعد انتهاء الأجل(…)، أمر الملك الحرّاس بإلقاء الوزير للأسد الجائع، وبالرغم من تجويع الأسد ليلة تنفيذ الحُكم(…)، إلاّ أنه لم يهاجم الوزير، بل أخذ يعانقه ويلعب معه، رغم شدة جوعه.

تعجب الملك من ذلك المنظر، وأمر بإخراج الوزير من غرفة الأسد قصد سؤاله عما فعله بالأسد كي لا يفترسه رغم شدة حاجته إلى الطعام، فأجابه الوزير: “يا سيدي الملك، لقد قمت برعاية هذا الأسد وخدمته 12 يوما فقط، فلم ينسَ عملي ورعايتي له، وأنت خدمتك 12 سنة، فأردت التخلص مني عند أول معصية أتت فقط عن طريق الخطأ”.

تتمة المقال بعد الإعلان

ولما سمع الملك هذا الكلام، أحس بالندم، واعتذر طالبا من الوزير الرجوع لعمله.

من زمن القصص إلى يومنا هذا، تغيرت الأمور رغم بقاء العِبَر(…)، وتغيرت جغرافية العالم، كما جرى الحال على المغرب، بعد أن أصبحت خريطته الآن، والحمد للّه، شاسعة يوما بعد يوم أمام عيون دول الغرب، بالاعترافات الأجنبية المتتالية بمغربية الصحراء ووحدة ترابه، كما أصبحت أحكام ملوكه أقل قساوة(…) وأكثر تفهّماً، بعيدة عن الرمي في بطون السِّباع(…)، وحِيَل وزرائه أدنى دهاء، ولم يبقَ مفهوم الأسد يروج في صفوف المغاربة إلّا في مقولة: “كُنْ سْبع وكولني”، وحتى تعبيرها لم يدم إلا في نظرات الزعماء السياسيين خلال الفترات الانتخابية، التي سرعان ما تتحول إلى نظرات القطط عند الهزيمة(…)، لتبقى راسخة في عيون الفائز الوحيد بالاستحقاقات، مهدّداً بها المواطنين وناخبيه وكأنه ينوي القول: “اللّي دار هاكّا ولّا هاكّا غانخلِي دار بوه”، لا سيما إن لم يؤدِّ ضرائبه، أمام شعب يشكو الفقر و”القهرة”، ويسبح في بحر من الحيرة بعد عام ونصف مرّ عليه غير “ربّي اللّي عالم بيه”.

بين زمن القصص وزمن “الفايسبوك” إذن، تبقى حيرة الشعب هاته، وهلعه، لا يمكن تفسيرهما لحد الآن، إلّا بسلوك جديد هو الآخر متجلي في موجات السب والقذف، يمينا ويساراً(…)، عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية، والذي أصبح يشغل حيزا هاما في حياة الناس(…)، على أمل أن يبقى الوحيد لديهم رغم افتراضية عالمه، كاف لتغذية الأسد الجائع(…).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى