المنبر الحر

المنبر الحر | أي منظومة تعليمية لأية قيم في ظل الحكومة الجديدة؟

بقلم: ذ. الحسن العبد

    قال عز من قائل: ((لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرا)) (سورة الأحزاب الآية 21)

تتمة المقال بعد الإعلان

تعتبر القدوة الصالحة أسلوبا تربويا جد مميز، لأنها من أهم المبادئ التربوية في مجال التدريس، فعيون الصغار عادة، وبالفطرة، متطلعة إلى حركات وسكنات الكبار (التقليد)، والنبي (ص) هو القدوة الحقيقية والأسوة الصادقة في كل الأعمال والأخلاق والمعاملات، لأنه على خلق عظيم وخلقه القرآن الكريم، يقول علماؤنا الأجلاء: ((ما أروع الكلمة التي أطلقها رسول الله (ص): “إنما بعثت معلما”.. إنه التكريم للعلم والعلماء، وللذين يقومون بدور التعليم.. فإنه يسمي النبي معلما.. وبذلك ينقل مهام النبوة إلى الإنسان المعلم، إلى العالم والداعية إلى الله سبحانه، وحامل العلم والوعي والثقافة الهادية.. إنها الكلمة المضيئة في عالم الظلام، والنبراس الهادي في متاهات الجهل)).

إن القلوب تنجذب والنفوس تتأسى لشخصية الرسول كمعلم للبشرية ولكل المعلمين والمدرسين والأساتذة المربين كذلك، فما أحوجنا لبناء مجتمع يرتكز على القيم السامية والمثل العليا في العصر الراهن تقليدا وإبداعا، يقول علي بن أبي طالب كرم الله وجه: ((من نصب نفسه للناس إماما، فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه ومعلم نفسه ومؤدبها أحق بالإجلال من معلم الناس ومؤدبهم)) (نهج البلاغة).

تتمة المقال بعد الإعلان

إن قيمنا، يقول التربويون، هي محضن هويتنا وحصنها، وبخاصة في سياق العولمة التي تحاول إلغاء الخصوصيات الحضارية والثقافية، فالوقت الراهن يتطلب منا رؤية شمولية ومشروعا متكاملا قابلا للإنجاز للاشتغال بالتربية على القيم في المنظومة التربوية، فنحن لنا مرجعية حضارية إلى جانب القدوة الحسنة، ولا نستثني كل ما هو إيجابي ومفيد في باقي الحضارات، بل لزم الأخذ بما يتواءم منها وخصوصيتنا من علم، ونبذ ما سوى ذلك.

ويذهب بعض المربين إلى القول بأن التربية والأخلاق وجهان لعملة واحدة، فلكي يقدم المربي تربية سليمة، لا بد أن يرتكز على الأسس الروحية والخلقية، ولكي ينمي ويغرس المبادئ والقيم الخلقية في نفوس المتعلمين، خليق به التوسل بجميع طرائق التربية السليمة ومحتوياتها وممارساتها، لربط المضمون الفكري والروحي بالواقع العملي الذي يعيشه أبناؤنا، لتصبح هذه القيم موضع التطبيق والممارسة.

كما أنه في نظر المربين والأطر التربوية، فالمتعلم يسلك سبلا عديدة للحصول على العلم، ويرى أن كثيرا من تلك السبل تلبي رغباته في الحصول على شتى أنواع المعارف وتوصله إلى منازل رفيعة يسعى إليها بجده المتواصل وجهده الدؤوب، وقد يغفل المعلم والمتعلم عن الأثر البالغ والأهمية القصوى لإحدى سبل التعليم، وهي التعليم من خلال تقليد النماذج الفريدة أو ما نسميه التعليم بالقدوة، وهو ما سمي في الأدب التربوي بالنمذجة.

ومساهمة منا في النقاش الدائر حاليا بالمغرب حول قضايانا التعليمية، كأستاذ مدرس من المجربين في دهاليز الأقسام بعدة جهات بالمملكة، ومن خلال التعرف عن كثب على النظام التعليمي المغربي، وعلى الكثير من المشاكل التي واجهتنا خلال المسار التعليمي- التعلمي، لم أجد أفضل من هذا التعبير البليغ والكلام الشافي لأحد الفاعلين التربويين، حيث يذهب الأستاذ الحسن اللحية، إلى القول بأن تصورات المغاربة للإصلاح غير دقيقة وغير واضحة، بل يتساءل بحسرة كبيرة وعمق في التفكير: ((ماذا يعني المغاربة بإصلاح التعليم؟ إنهم يتحدثون عن إصلاح التعليم منذ حكومة البكاي إلى اليوم، وكل وزير في التعليم له إصلاحاته الخاصة، بل قد تجد إصلاحات الوزير ليست هي إصلاحات الحكومة التي ينتمي إليها، وإصلاحات الحكومة ليست هي ما صرحت به في تصريحها الأول أو وردت في مخطط ما)).

نستشف من هذا القول، أن قضية التعليم قضية مصيرية تهم كل المجتمع المغربي بكل مكوناته وليس حكومة معينة أو وزيرا بعينه في مرحلة بذاتها، وعبر التاريخ الحديث لدولتنا، فقد مر النظام التعليمي بالمملكة بعدة إصلاحات، حيث ما فتئت الحكومات المغربية تولي اهتماما كبيرا بهذا القطاع الحيوي، وبحسب الباحث رشيد أوراز: ((فيما يخص الإصلاحات التي طبقت منذ سنة 1956 (تاريخ الاستقلال) إلى حدود سنة كتابة هذه الورقة (يونيو 2017) فكثيرة، بدءا من إحداث وزارة التربية الوطنية (1956)، وإحداث أول هيئة رسمية عهد لها بإصلاح التعليم (1957)، وتنصيب “الهيئة الملكية لإصلاح التعليم” (1958)، التي أصدرت “ميثاق التعليم” سنة 1959، ثم ندوة المعمورة حول إصلاح التعليم (1964)، وأيام التربية الوطنية المنعقدة بمنتجع إفران (1980)، ومشروع “التكوين المهني ولامركزية الجامعات” (1988-1995)، وفي بدايات الألفية الجديدة، تم تكوين هيئة وطنية من 34 شخصية مغربية عهد إليها بوضع “الميثاق الوطني للتربية والتكوين” (1999)، وتم تطبيق هذا الميثاق سنة 2000، لكن فشله الكبير سرع بوضع “البرنامج الاستعجالي” الذي أحدث لإنقاذ فشل “الميثاق الوطني للتربية والتكوين” (2009)، وبسبب إعلان الفشل النهائي لـ”الميثاق الوطني للتربية والتكوين”، تم أخيرا وضع مشروع جديد تحت عنوان كبير وطموح: “من أجل مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء: رؤية استراتيجية للإصلاح 2015-2030″، بدأ تنفيذه وإنزال مقتضياته منذ سنة 2015.

إذن، يتعلق الأمر بما يفوق 11 إصلاحا كبيرا، بالإضافة لإصلاحات أخرى إدارية ومالية جزئية نفذها المغرب خلال هذه الفترة الطويلة نسبيا)).

وفي الختام، يمكننا إضافة صوتنا إلى كل الأطر التعليمية، سواء منها الإدارية أو التربوية، التي تؤكد جهرا على أن المغرب لم يتوقف بعد أكثر من خمسين سنة من الاستقلال، عن استثبات منظومة في التربية والتعليم متكاملة الأضلع، ومتناسقة الصيرورة، مؤسسة في فلسفتها على مرجعية محددة مبنية على تصور، خاضعة لعمليات في التقييم بأفق الإصلاح والتقويم.. إنه لم يتوقف إلا في إعادة نتاج الأمية والجهل في أعلى مراتبها، ولم يتوفق إلا في إفراز الفشل المدرسي بكل أشكاله، وفي الدفع بالآلاف إلى حيز البطالة، الشيء الذي جعل المنظومة برمتها معطوبة وغير قادرة على ضبط مسارها.

وخلاصة القول: لا يستقيم الظل والعود أعوج.. فالقضية محسومة بالدليل الملموس، فإن أردت أن تحظى بابن بار مثلا، فما عليك إلا أن تكون بارا بوالديك وأن تربي ابنك على فضيلة البر، وإن أردنا متعلما كاملا جيدا بقيم نبيلة ملؤها التسامح والمحبة والفضيلة، ومواطنا صالحا، فما علينا إلا أن نكرم المعلم بالعزة فله أجره من الله بفضل التعليم الحكيم، لما يسديه من عمل، فلنكرمه بأجرة تليق بمقامه كمربي وريث الأنبياء والرسل كما وعدتكم بذلك أثناء الحملة الانتخابية معشر المنتخبين المرشحين الفائزين، ووعد الحر دين عليه تجاه المواطن الحر في الوطن الحر.

ولله ذر أمير الشعراء أحمد شوقي في قوله :

قم للمعلم وفّه التبجيلا                كاد المعلم أَن يكون رسولا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى