المنبر الحر

المنبر الحر | السلطة والمال والعودة إلى التيار الليبرالي لسنة 1963

بقلم: حسوني قدور بن موسى                                                           

محامي بهيأة وجدة

تتمة المقال بعد الإعلان

    خلال حكومة بلافريج، لعب أحمد رضى اكديرة، دورا كبيرا في تأسيس حزب “جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية” (الفديك)، وذلك عام 1963، أثناء سفر الحسن الثاني إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث عقد رضى اكديرة، المديرالعام للديوان الملكي، ندوة صحفية أوضح فيها أن “الغاية من تجنيد جميع قوى البلاد وراء الملك، هي صيانة الدستور وإحداث ديمقراطية حقيقية وحماية القيم والمثل العليا التي أقرها الشعب من خلال الدستور”، الأمر الذي سمح للحركة الشعبية وحزب الشورى ليجعل منهما مكونات سياسية في صف القصر تقف ضد الاشتراكيين، وكان حزب “الفديك” يجسد نخبة تكنوقراطية تمثل المشروع الاستعماري البائد، والتي وصفها المفكر محمد عابد الجابري بالقوة الثالثة.

أحمد رضى اكديرة إذن، هو الذي أشار إلى ضرورة الإبقاء على الملكية التنفيذية وتمكين الملك من جميع السلطات، وهو من تزعم التيار الليبرالي في المغرب في وقت تغلغل فيه التيار الاشتراكي في أفكار العديد من النخب المغربية بمن فيهم  الطلبة الجامعيون، كما حرص شخصيا على تقوية سلطات الملك وتقزيم معارضة الاشتراكيين والاستقلاليين، فاصطدم بالمعارضة ثم بالمقربين للملك، كالجنرال أوفقير، وحتى بالملك نفسه في وقت من الأوقات، وقليلون هم الذين كانوا يدركون مخاطر هذا الحزب الذي ظهرت فيما بعد نوعية التفكير الذي كان يخامر مؤسسه، فالرجل بدل تقريب وجهات النظر بين جميع القوى السياسية، كان يشعل النار التي لم تكن في مصلحة المغرب واستقراره وتقدمه، ومن أجل تحقيق أهداف حزب “الفديك”، وضعت رهن إشارته وسائل مادية وبشرية هائلة محسوبة على الدولة، والدعاية المغرضة المستعملة لتدويخ الشعب، مثل شعار “حزب الملك”.

تتمة المقال بعد الإعلان

هكذا كان حزب “الفديك” يسير في الاتجاه المعاكس لطموحات وآمال الشعب المغربي، ولم يكن في مصلحة النظام الملكي نفسه.

واليوم، يظهر أن المغرب يعود إلى الوراء، أي إلى عهد الستينيات، وذلك عن طريق ظهور أحزاب ليبرالية انتهازية تعتمد على المال للوصول إلى السلطة، وهذا لا يضر بالشعب المغربي فحسب، وإنما يضر كذلك باستقرارالبلاد، ومن خلال نسبة المشاركة الضعيفة جدا في انتخابات 8 شتنبر، يظهر الرفض الشعبي الصريح لهذه الأحزاب الانتهازية الموسمية التي تعتمد على “الشكارة” لكسب عدد كبير من أصوات المواطنين الفقراء والمحتاجين، الذين يجهلون خطورة بيع أصواتهم بثمن رخيص.. ليعيشوا 6 سنوات في الفقر والحرمان.

يتساءل الكثير من الناس: ما علاقة رجل الأعمال بالمناصب السياسية؟ وهل يصح لرجل الأعمال بحكم عمله وخبرته، أن يقود حكومة؟ لا شك أن رجال الأعمال لهم دور مؤثر في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وذلك من خلال استثماراتهم وأنشطتهم الاقتصادية المختلفة وعلاقاتهم بالجمعيات والأعمال الخيرية والاجتماعية، ومن أجل ضمان حماية مصالحهم ومؤسساتهم الإنتاجية فإنهم يحرصون دائما على خلق لوبي خاص بهم يؤثر في صنع القرار السياسي في الدولة، وكذلك إغراء الفقراء والمساكين بالصدقات للتصويت لفائدتهم، وقد  يرى المحللون، أن هذا يعتبر أمرا حتميا لحماية استثماراتهم الهائلة، وخاصة مؤسساتهم الإنتاجية التي لا ترحم الفقراء والمساكين، فالدولة الرأسمالية ترعاهم وتستمع لمطالبهم، وذلك من خلال مواقعهم في السلطة التنفيذية، وهي مواقع تمكنهم من الزيادة في ثرواتهم وسيطرتهم على كامل القطاعات الاقتصادية في الدولة، وتختلف رؤية رجل السياسة عن رؤية رجل الأعمال للأمور والتطورات والتحديات، فرجل الأعمال تتحكم فيه غرائز الأرباح والهيمنة واقتناص الفرص الاستثمارية التي تحقق له المزيد من الثراء والتوسع، كما أن معالجته للقضايا الاقتصادية كمسؤول في الدولة، تعتمد على الربح السريع، على سبيل المثال، عندما يتعامل رجل الأعمال كوزير مع العجز المالي والمديونية الخارجية، قد يلجأ إلى رفع نسبة الضرائب من دون اعتبار الأبعاد الاجتماعية الخطيرة التي يخلفها هذا القرار الذي يضر بالمستوى المعيشي للطبقة الفقيرة والمتوسطة، بينما رجل السياسة عندما يفكر في فرض رسوم أو رفع نسبة الضريبة، فهو لا ينظر فقط إلى زيادة الإيرادات المتوقعة، وإنما إلى جملة من المتغيرات الاقتصادية، مثل المستوى المعيشي وارتفاع الأسعار والتضخم والاستهلاك وإجمالي الناتج المحلي، وسعر الصرف والفقر… إلخ، وهذا يعني أن المبادئ العامة التي يدار بها الاقتصاد عند رجل السياسة، تختلف بشكل كلي عن تلك التي يستخدمها رجل الأعمال الذي يتحكم في السلطة، كما أنه من الأخطاء السياسية الاعتقاد بأن رجل الأعمال الناجح في أعماله يكون ماهرا في صنع القرارات السياسية ورسم السياسة الاقتصادية، إن رجل الأعمال الذي استطاع أن يحصل على ثروة هائلة من المال ليس قادرا بالضرورة على إدارة اقتصاد دولة أو حتى وزارة من الوزارات، وكما يقول بول كروجمان، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد لعام 2008: “إن طريقة التفكيرالمطلوبة في التحليل الاقتصادي ومهارة صنع القرار على مستوى الاقتصاد الكلي، تختلف بشكل كبير عن الطريقة التي تحقق النجاح في مجال الأعمال”.

وتكشف لنا الكثير من الدراسات والتجارب الدولية، أن الفساد الإداري يتفشى بشكل كبير في السلطات التنفيذية التي يغلب عليها رجال الأعمال، لأن هؤلاء يعملون على خدمة استثماراتهم بدل خدمة مصالح المواطنين، فهم لا تهمهم المصلحة العامة بقدر ما تهمهم خدمة مصالحهم الخاصة، والدول العربية تشهد مثل هذه المصائب، حيث تعاني الإفلاس والفقر المدقع والحرمان والبطالة وانعدام السكن والعلاج والجهل وهجرة الأدمغة… بسبب فساد رجال الأعمال في السلطة التنفيذية، لذلك، يقال: “ما اجتمعت السلطة والمال إلا وكان الفساد ثالثهما”.

إن العلاقة بين السطة والمال لا تكون نظيفة، فإذا أردت إفساد مجتمع معين، فما عليك إلا فتح باب الزواج بين السلطة والمال.

تعليق واحد

  1. و هل اعطت تجربة حكومة منعدم المال كبنكيران و العثماني و…. نتيجة ايجابية و نجاح في حكوماتهم و تحقيق مصالح الطبقة الشعبية المتوسطة و الضعيفة؟!، اذن لا صحة لقاعدة فشل اصحاب المال و نامل خيرا في كرم الله بسيادة فكر خدمة مصالح الوطن و مصالح الطبقة الضعيفة و الهشة و كذلك مصالح اصحاب المال المستثمرون الوطنيون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى