بين السطور

بين السطور | سفن المعارضة ستطفو فوق الماء (…)

بقلم: الطيب العلوي

    في وصف لعصر التناقضات(…)، يقول الكاتب الإنجليزي تشارلز ديكنس، في رواية “قصة مدينتين”، الصادرة عام 1859: ((لقد كان هذا الوقت هو أفضل الأوقات، وأيضا كان أسوأ الأوقات، كان عصر الحكمة، وكان عصر الحماقة، كان عصر الإيمان، وعصر الشك، كان موسم النور، وأيضا كان موسم الظلام، لقد كان ربيع الأمل، وأيضا كان شتاء اليأس)).

إذا كان مفهوم التناقض قد بناه الناقد ديكنس، على ما كانت تدور من وقائع في مدينتي لندن وباريس خلال أحداث الثورة الفرنسية، من قمع للأرستقراطية الفرنسية، وكذا الوحشية التي مارسها الثوريون ضد الأرستقراطيين قبل ما يزيد عن قرنين، فالتناقض يبقى مدلوله نفسه على ما يبدو، رغم تغيير الزمان والمكان(…).

تتمة المقال بعد الإعلان

التناقض نفسه، لما أصبحنا نشهد في بلدنا هذا، وفي أيامنا هذه، مفاوضات تشكيل أغلبية حكومية تلمح بالواضح إلى رغبتها في إشراك الجميع في العمل الحكومي، رغبة تجاوب معها وعبر عنها كل من كان يقود خطاب المعارض لا محالة، والذي دخوله الأغلبية لن يترجم شيئا سوى نوعا من أنواع التناقض، تناقض اختبأ أحيانا وراء فرصة تقديم التهاني(…)، وأحيانا أخرى وراء قناع “التشاور”.

وإذا كان السيناريو المبدئي الذي باشر تصدر الأحرار لاقتراع 8 شتنبر، يشير إلى تحالف منتظر مع “حزب الاستقلال والأصالة والمعاصرة ..”، ما يشكل في حد ذاته أغلبية مريحة بأزيد من 255 مقعدا برلمانيا، فموجة الاستقبالات والتشاورات والتصريحات التي أعقبت بدورها نتائج الاستحقاقات، تدل على غير ذلك، كحال السيد عبد اللطيف وهبي، الأمين العام لـ”التراكتور”، المعتز بالقول، والمفتخر بالملامح، لتلقيه “إشارات جد إيجابية”، والمعبر عن رغبته في المشاركة إذا “وافق السيد الرئيس”، على حد قوله.. كل هذا أياما معدودات بعد أن كان يصيح وينادي، كل من تعامل مع الأحرار، بالبائع والمشتري.

تتمة المقال بعد الإعلان

ولكي نوقف الحديث عن التناقض، لأن الخوض في هذا الموضوع قد يطول(…)، لكثرة الأحداث وتعدد الوقائع(…)، فربما قراءة مخالفة للأمور قد تعيدنا للصواب، بعد الاستيقاظ(…)، وفهم أننا فعلا نعيش فترة جديدة، عرفت فيها السياسة طفرة نوعية، يتخلل المال جينتها حتى النخاع، بعد أن تمسك اليوم بزمام أمورها، ليس عزيز أخنوش وحده، وإنما جيش من كل الذين يندرجون في خانة رجال الأعمال، فرغم أن الرئيس الجديد “المكلف” بتشكيل الحكومة، قد أدلى على الفور، بشروعه في مسطرة الانسحاب التام من جميع مناصب التسيير داخل “الهولدينغ” العائلي، كخطوة “هامسة” على حسن النية(…)، فلن يغير هذا من مفاهيم مدرسة “البيزنس”، ولن ينجو التسيير السياسي من منطق “تسيير المال والأعمال” أو “التسيير المقاولاتي”.. ومن تم نفهم مثلا رغبة الحكومة الجديدة في إشراك جميع الأحزاب في العمل الحكومي، ما دامت الأحزاب السياسية أصبحت تقر في الأعين مقرّ مساهمين بالأسهم في شركة هذا أو ذاك !

ليبقى التناقض يحيط خصيصا بالسياسيين الذين لا علاقة لهم بالمال(…)، ولا بالأعمال، حال التناقض الذي أصبح يحيط بـ”هولدينغ” أخنوش وحده، دون عزيز هذه المرّة، والذي ترك “بركته” فيه بعد تخليه عنه، وبدأ المتتبعون يلاحظون ذلك، لمّا تُعطى الأسبقية على أبواب الموانئ مثلا، للسفن الناقلة للوقود، من “إيصانص” و”مازوط”، لتلك التابعة لمؤسسة السي عزيز، في حين تبقى الأخرى تطفو فوق الماء، وتنتظر دورها للدخول “على ما يحن مولانا..”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى